بكيت الذي أدهش العالم

هذا الصيف كغيره من مواسم الصيف الأخرى، فيما كنت أمضي أيام العطلة في إيرلندا، المكان المقرب جداً إلى قلبي، وقع نظري على كتاب قديم بعنوان »قراء صموئيل بكيت« قام بتحريره جون كولدر وطبع عام 1983، وذلك أثناء جولتي في متجر الكتب المستعارة المفضل لدي في بلدة صغيرة. المجلد يحوي واحداً وعشرين فصلاً مستقاة من مجموعة الأعمال الضخمة، التي كان صموئيل بكيت لسنوات عدة قد أذهل بها العالم الأدبي وأدهشه وحيره.

ولد صموئيل باركلي بكيت في فوكسروك، في إحدى ضواحي دبلن بتاريخ 13 أبريل 1906، الذي يصادف الليلة العظيمة عند الطوائف المسيحية. وكان والده ماسحاً في مجال البناء، وقد ربى عائلته وفقاً لمعايير مريحة وسط الطبقة الوسطى، وقام بتعليمهم في مدارس جيدة.

وكانت عائلة بكيت من أتباع الديانة البروتستانتية، وصموئيل أرسل إلى مدرسة »بورتورا رويال« الثانوية في ألستر، ومن ثم انتقل إلى »ترينتي كولدج« في دبلن، حيث أظهر نبوغاً أكاديمياً وموهبة في مجال الرياضة، وقد لمع تحديداً في لعبة ألعاب الرغبي والغولف والكريكت. عاد إلى ترينتي لتعليم الأدبين الفرنسي والإيطالي، وأمضى سنة 1928-1929 يدرس في »إيكول نورمال سوبريور« في إطار تبادل بين السوربون وترينتي، ومن ثم تفرغ كليا للكتابة، وصدرت مجموعته الأولى من القصص القصيرة بعنوان »وخزات أكثر من ركلات« في عام 1934، وروايته الأولى »مورفي« عام 1938، ولم تترك أي منهما انطباعاً خاصاً على عالم الأدب حينذاك. وخلال ثلاثينات القرن الماضي، عاش بكيت معظم أوقاته في باريس، وأصبح عضواً في دائرة »جيمس جويس«. وقد ساعد جويس بطرق عدة، رغم أنه لم يكن يوماً سكرتيره كما يزعم أحيانا.

وبصفته مواطناً من إيرلندا، الدولة المحايدة، بقي في فرنسا بخياره الشخصي خلال الحرب، وأصبح عضواً في المقاومة الفرنسية، وبالكاد تمكن من الفرار من الاعتقال على يد الغستابو.

ونظراً لنشاطاته الخطيرة في المقاومة، نال في النهاية »صليب الحرب«، وستشكل تجاربه أثناء الحرب مساهمة مهمة في موضوعات أعماله في المرحلة التي تلت الحرب.

وبكيت أغلق على نفسه لمدة سنتين من عام 1947 إلى عام 1949، في سبيل أن يترك وراءه مجموعة أعمال أدبية شعر أنه مندفع لكتابتها، حيث اعتقد أن ورماً ينمو على خده قد يكون خبيثاً، وأنه ليس لديه كثير من الوقت ليعيش. وسمعته تعتمد بشكل كبير على نتاج هاتين السنتين من التحف الفنية التي تعتبر الآن فترة منتصف العمر بالنسبة له. ولحسن الحظ تبين أن الورم غير خبيث بعد إزالته، وتسنى لبكيت الاستمرار في إنتاج مسرحيات ونصوص خيالية وأشعار وغيرها من الأعمال.

ومن الأسباب التي وهبته مثل هذه السمعة الرائعة، أنه لا أحد يبدو قادراً على معرفة أين يدرجه تاريخياً في الأدب الحديث. ومسرحيته »في انتظار غودو« جرى تمثيلها في البداية في باريس أوائل عام 1953، وقد أكسبته شهرة على الفور.

ومنذ ذلك الحين، غداً الشخصية المتميزة للطليعة الأدبية في مرحلة ما بعد الحرب.

وبكيت بلا منازع، كان كاتباً محدثاً عظيماً ومبدعاً، وهو لا يرى الحياة كنمو وتطور، بل كتراجع وتدهور، وتطور شخصياته يبدو كجزء من عملية انحلال وتعفن. وقد تكون أعماله متأثرة بالموسيقى بقدر تأثرها بالكتاب السابقين، وقد أخذ كثيراً من أحاسيس بيتهوفن وشوبرت. ويعتقد غالباً أن بكيت يشكل تطويراً لـجيمس جويس، وأعماله المبكرة تظهر كثيراً من التشابه مع زملائه العظماء.

والفترة الثانية لبكيت تتسم بنقاء عظيم في الأسلوب، وبعد أن أجاد الفرنسية بالكامل، بدأ مع نهاية الحرب في الكتابة بهذه اللغة للهرب من استخدام الإنجليزية الأكثر تفصيلاً، والتي من المستحيل تفاديها عملياً بالنسبة إلى إيرلندي. وبرهن على أنه سيد الأسلوب الفرنسي منذ أوائل الخمسينات، وكتب باللغتين، حيث يبدأ أحياناً بعمل جديد بإحداهما، ويستمر بالأخرى إلى أن يشعر أن الأمور تسير على ما يرام، فيقوم بعد ذلك بإنهائها بتلك اللغة، ومن ثم يترجمها إلى الأخرى.

وقد حاز صموئيل بكيت على جائزة نوبل للأدب عام 1969. وتوفي في 22 ديسمبر عام 1989 في باريس، بعد أشهر من وفاة زوجته.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات