كابتن أميركا وإنقاذ «مارفيل»

في صيف عام 2009 قامت شركة «والت ديزني» الشهيرة بالاستحواذ على شركة «مارفيل» للترفيه «Mrvil» مقابل مبلغ وقدره 4.2 مليارات دولار، وقد أثار المبلغ والتوقيت استغراب الكثير من المحللين في وول ستريت وحتى إن سعر أسهم شركة « والت ديزني» انخفضت بمقدار 3% عند الإعلان عن الصفقة.

وكان التشاؤم مرده للكثير من الأسباب المنطقية ومنها على سبيل المثال لا الحصر شح السيولة في الأسواق المالية العالمية مع اشتداد الأزمة المالية العالمية وكذلك لأن المبلغ المدفوع مقابل الاستحواذ على شركة «مارفيل» خيالي لأن أصول الشركة يتمثل في بضع مجلات هزلية أو كرتونية وبالإضافة إلى ان «مارفيل» تملك حقوق الملكية الفكرية لخمسة الاف شخصية كرتونية مثل سوبرمان واسبايدر مان وكابتن أميركا وغيرها من الشخصيات التي استمتعنا بمشاهدتها أو قراءة قصصها في الطفولة.

وعلاوة على ذلك فقد خرجت «مارفيل» للتو من شبح الإفلاس عندما تقدمت بطلب للمحكمة المختصة لحمايتها من الدائنين تبعا للفصل الحادي عشر(11) من قانون الافلاس أو الاعسار الأميركي.

وفي المقابل كانت شركة «والت ديزني» تسعى من خلال الاستحواذ على الحصول على حقوق الملكية الفكرية للشخصيات التي ابتكرتها شركة مارفيل والتي تبلغ 5000 شخصية كرتونية للاستفادة من هذه الشخصيات تجاريا في انتاج أفلام جديدة واستخدامها في حدائق ديزني الترفيهية في الولايات المتحدة وأوروبا واسيا.

وأثبتت الأيام بأن رهان شركة «والت ديزني» كان صحيحا، فها هي تستفيد من شخصيات شركة «مارفيل» في إنتاج فيلم المنتقمون «Avenger» ليحقق لشركة «والت ديزني» إيرادات خرافية تبلغ 1.5 مليار دولار عالميا لينضم لقائمة الافلام الاعلى في الايرادات في تاريخ السينما الأميركية ويقف خلف فيلم تيتانيك وافاتار.

في الحقيقية فإن الفائز الحقيقي في هذا الاستحواذ ليست «والت ديزني» بل هو قانون الإعسار او الحماية من الدائنين الأميركي، وكذلك القضاء الأميركي الذي أثبت قدرته على الاشراف على إعادة هيكلة معقدة ومساعدة شركة «مارفيل» المعسرة على النهوض من جديد والوفاء بالتزاماتها كاملة للدائنين ودفع أرباح خيالية لمساهميها.

وبالنظر إلى قانون الاعسار أوالحماية من الدائنين في الولايات المتحدة، فإننا نرى أن القانون يساعد على هيكلة الشركات المعسرة بموجب الفصل الحادي عشر (11) من القانون.

والقانون يوفر إجراءات واضحة ومتسلسة تساعد على إعادة هيكلة الديون والشركات بأساليب مرنة تضمن حقوق والتزامات جميع الأطراف ويراعي القانون تحقيق التوازن المطلوب بين التصفية وإعادة هيكلة أعمال المدين، وهذه الاجراءات تمنع الدائنين من التصرف بسرعة وعشوائية في أصول الشركة المعسرة ما قد يسبب خسارة جميع الاطراف وقد يؤدي إلى انهيارات متتابعة لشركات مرتبطة ببعضها والذي قد يؤثر على الاقتصاد الأميركي سلبا.

وبصفة عامة فإن أنظمة الاعسار أوالحماية من الدائنين هي العمود الفقري لأسواق الائتمان السليمة والفعالة والتي تقوم على إدارة المخاطر المتعلقة بالاعسار.

والقانون يقلل من حالات قيام الشركات المعسرة باللجوء إلى وسائل غير مشروعة لتدوير التزاماتها مثل بيع منتجاتها وخدماتها بأقل من تكلفتها الاقتصادية وذلك بغية الوفاء بالتزاماتها القصيرة الأجل.

ومن الفوائد المهمة للقانون بأن إعادة هيكلة الشركة وديونها يساعد على عمل دراسات واحصائيات تساعد على معرفة الاسباب الحقيقية لإعسار الشركات، والتي قد تكون سوء إدارة أو عدم وجود نظام حوكمة أو قد تكون بسبب بعض السياسات والتشريعات الاقتصادية غير الموفقة من الجهات التشريعية أو الرقابية ما يساعد على إعادة رسم هذه السياسات والتشريعات وجعلها أكثر مرونة وقريبة من الواقع العملي.

يخلط الكثيرون منا ما بين الإعسار والإفلاس، فالإعسار هو حالة مالية يمر بها شخص أو مؤسسة عندما تتجاوز قيمة التزاماتها قيمة أصولها، وهذا ما يعرف بإعسار الميزانية أو عندما يصبح شخص أو مؤسسة غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم المالية عند استحقاقها، أو ما يشار إليه بـإعسار التدفقات النقدية.

أما نظام الإفلاس القائم في دولة الامارات في الوقت الحالي فهو يختلف عن نظام الإعسار وهو يقوم على مبدأ تصفية جماعية لأموال التاجر وانقضاء الشركة وقسمة أموالها على الدائنين قسمة غرماء.

وفي تقرير ممارسة الأعمال لعام 2014 والصادر من البنك الدولي والذي يقيس سهولة ممارسة الأعمال التجارية في الدول حققت الإمارات المركز 23 في الترتيب العام والمركز 101 في مؤشر تسوية حالات الاعسار، هذا على الرغم من أن الدولة حققت مراكز متقدمة جدا في المؤشرات الأخرى كمؤشر سرعة الحصول على التراخيص اللازمة للبدء بالمشروع وسرعة الحصول على الائتمان وتنفيذ العقود، ولولا مؤشر الاعسار لكانت الدولة حققت مراكز أكثر تقدما في المؤشر العام.

 وقد صدر قرار من المجلس الوزاري للخدمات رقم (130/10) لسنة 2009 بالموافقة على إعداد مشروع قانون إعادة الهيكلة المالية والإفلاس، وتم تكليف وزارة المالية باعداد مشروع القانون وإحالته للجنة الفنية للتشريعات، ومشروع القانون تمت صياغته تبعا لأفضل الممارسات العالمية وقد راعى المشروع الأسس الحديثة في إدارة عمليات الإعسار والإفلاس، لذا فإن سرعة اقرار هذا القانون سيكون لها مردود ايجابي على الاقتصاد الوطني وسيساهم في زيادة تنافسية الدولة عل المدى الطويل.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات