كمال جنبلاط ضحية الإرهاب السياسي

ت + ت - الحجم الطبيعي

يبدو أن العرب بشكل عام ينسون الشخصيات الوطنية، التي سعت إلى انتشال الفقراء من القاع، ورفعهم إلى سطح الأرض لاستنشاق الهواء النقي، ورؤية أشعة الشمس، أو رؤية النجوم في كبد السماء الصافية، ليلاً، هؤلاء الذين ينسلخون من طبقتهم الراقية، التي تعيش بعيداً عن العامة في أبراجها، التي تكاد تصل إلى النجوم الساطعة، خاصة ذي الثقافة والمرجعية الفرنسية، تيمناً بماري أنطوانيت، التي دعت الفقراء إلى أكل البسكويت حينما لا يتوفر الخبز.

واليوم نرى أنهار الدماء في العديد من دول الوطن العربي، وبات نحر البشر بدماء باردة سمة عامة، فهل يعقل ذلك أم أن ذلك تم ضمن برنامج مرسوم بدقة،يثبت ذلك قطرة قطرة للمشاهد حتى أصبح ذلك منظراً مألوفاً لا ترف له جفن الإنسان.

وربما تقوم بعض مقدمي نشرات الأخبار بابتسامة، وهي تقدم هذه البشاعة الخبرية، من دون أن يدرك أن العديد من البشر زهقت أرواحهم، وذهبوا من هذه الدنيا إلى الأبد، وتظل ذكرياتهم محصورة في عقول وقلوب أقرباؤهم من البنين والبنات والأخوة والأخوات.

فهل لا يزال هولاكو حياً أم أن الحجاج بعث من جديد، أم غيرهما من الشخصيات الدموية، أو تلك المؤامرة بين أدولف هتلر والحركة الصهيونية، التي تم بموجبها اضطهاد اليهود حتى يهاجروا إلى أرض غيرهم وهي فلسطين، وحتى اليهود العرب لم يسلموا من تلك المؤامرة الدولية.

سواء في الوطن العربي أو الدول الأخرى، زالت الرحمة من القلوب وأصبحت قطعة من لحم لا اثر للعواطف بها، آلا يكفي معظم المواطنين العرب هذا الذل والاغتراب والمهانة حتى يمارس عليهم إعلامياً «الدم البشرى» على وجوه الأطفال والنساء وكبار السن.

وأصبح المهرب أو الهروب من ذلك هو تغيير القناة أو أغلاق الجهاز، والعودة إلى الطبيعة، وصوت العصافير وحتى نعيق الغراب الأسود، أو ذلك الطائر ذو المنقار الأصفر، والذي همه الأساسي البحث عن عشش الطيور الأخرى، وإسقاط بيضها حتى لا تتكاثر، إنه طائر عدواني شرس، كارهاً للنوع الآخر من الطيور، وهذا ما يؤكد عدم الاختلاف بين البشر والطيور في زرع الحقد والكراهية.

لعل هذه المقدمة ما هي إلا بداية لذكرى ذلك الإنسان الرائع، كمال جنبلاط، الذي وجهت إليه رصاصات الغدر والخيانة، من قبل نظام سياسي فاشي، لم يتحمل وجود إنسان حر طليق لا يمكن ترويضه بأي شكل من الأشكال، وهو النظام البعثي في سوريا في القرن الماضي.

لقد غنى الفنان مارسيل خليفة (جبل الباروك) من كلمات (شوقي بزيع)، وهي الأغنية، التي هزت مشاعر الإنسان من المحيط إلى الخليج، ووصلت لكل الناطقين بالعربية في أرجاء المعمورة، وسالت دموع الحزن بين محبي الإنسانية، والإنسان، واحترام حقوقه في الحياة من دون رصاصة غادرة، يطلقها أهوج لا مشاعر لديه إلا إرضاء السلطات الفاشية.

كنت أبحث في جهاز الكمبيوتر عن بعض الشخصيات العامة، وكان من بينهم الشهيد كمال جنبلاط، ذلك الذي آمن بالفقراء وهموم المواطنين العرب، بينما كانت الشخصيات الوطنية اللبنانية هدفاً سهلاً لأعداء الإنسانية وكذلك الوطنيين العرب، حتى باتت الكلمة ذات المضمون النضالي الإنساني تشكل خطراً على كاتبها أو حتى ناشرها، سواءً في الصحف اليومية أو الجرائد والمجلات الأسبوعية أو الدوريات العلمية.

فكم من أولئك الذين أذيبوا في أحواض من الأسيد، أو قطعت أصابعهم وأيديهم عقاباً لهم نتيجة لخروجهم من الحظيرة التي يتحكم بها أولئك الذين ليس لديهم ذرة من الخوف أو الخجل.

كمال جنبلاط قاتل من أجل وجه لبنان العربي، وحريته وديمقراطيته، ليكون دولة الحرية والتقدم، التي سماها اختيار التقدم في الحياة المجتمعية، وإلغاء الطائفية السياسية، وتعميم الثراء بين اللبنانيين، والقضاء على فكرة المهجر، هذا ما أكده الكاتب إبراهيم الجبين في جريدة العرب، حينما كتب مقالاً رائعاً عن الراحل الشهيد، كمال جنبلاط.

 

طباعة Email