ألا يتعظون.. لماذا يغادرون بهذه الطريقة؟

منظر رئيس أوكرانيا المخلوع فيكتور يانكوفتش وهو يركض للهروب في طائرة هليكوبتر في ساحة قصره، بعد الثورة الشعبية التي دكت أبوابه، يذكرنا بمناظر تكررت لطغاة تثور عليهم شعوبهم ويبقون يعاندون الحقائق ويصرون على استمرار القمع والكبت، لتصل الأمور إلى حد الغليان والانفلات. وفي هذا الواقع تختلف ردود الفعل وتتفق في النتائج، فواحد يقول "الآن فهمتكم" وكأنه يحتاج إلى ثلاثة وعشرين عاما ليفهم شعبه.. ورأينا كيف هرب رجل تونس القوي ورئيسها المخلوع، يبحث عن ملجأ وهو ربما يسأل ماذا الذي فهمته!

والسلطة تعمي البصيرة وتجعل الشخص يخلط بين الواقع والخيال، وهذا الزعيم الليبي الراحل يتساءل: من أنتم! يحكم أكثر من أربعة عقود، ويقول "من أنتم"! ويعيش موهوما أن الشعب مفتون به، وأنه هو الزعيم الأوحد للأمة. وزعيم تستهويه فكرة التوريث ليدفع ثمنها غاليا، وينتهي به المطاف هو وأبناؤه في سجن عسكري.

مشكلة الطغاة أنهم يعيشون الوهم، وهم أحيانا ضحايا الماكينة الإعلامية التي تقدس الزعيم والمستشارين الذين يعطون انطباعات هدفها الأول إرضاء الزعيم وكسب حظوة لديه. وحينما يرى المسيرات التي ترفع صوره وتمجد باسمه، يعيش وهما أنه يملك قدرات استثنائية. وعندما يسأل بعد سنين طويلة في الحكم، هل يفكر في ترك الحكم، تكون إجابته في الغالب أنه يرغب في التقاعد والراحة، ولكن ضميره وإحساسه بمسؤولياته تجاه شعبه، تمنعه من اتخاذ هذا القرار. أي وهم هذا الذي يعيشونه؟ وكيف يكون تضخم الذات والأنا إلى درجة تصعب عليه أن يقتنع بأن يكون في شعبه من يستطيع تسلم زمام الدولة؟!

مشكلة الطغاة أن ذاكرتهم ضعيفة، فرغم أنهم يرون نهاية طاغية بشكل مأساوي يكون اعتقاد كل منهم أن شعبه مختلف وسيقاتل من أجل المحافظة عليه وعلى نظامه.

الديكتاتور الروماني تشاوشيسكو سئل بعد تساقط الأنظمة في أوروبا الشرقية؛ هل هناك قلق على نظامه؟ فأجاب: صحيح أن هناك أنظمة حولنا سقطت ولكنكم لا تعرفون الشعب الروماني وقيادته الحكيمة! بعدها بأربعة أيام تم إعدامه هو وزوجته في بوخارست، بعد محاكمة شكلية.

ونفس الشيء بعد سقوط النظام في تونس، حيث سئل أحمد أبو الغيط وزير خارجية مصر آنذاك، عما إذا كان هناك قلق من انتقال الثورة في تونس إلى مصر فأجاب بأنه سؤال غير منطقي "لأن المعطيات الموجودة في مصر تختلف تماما عن تونس". بعدها بأسابيع قليلة كان الرئيس المصري يعلن تنحيه عن الحكم، بعد ثورة لفتت انتباه العالم في سلميتها وتنظيمها.

وعودة إلى الرئيس الأوكراني المخلوع، فهو كان يستند إلى دعم روسي واضح، وكان يحاول السيطرة على المعارضة والإعلام. وأذكر قبل عام، أننا كنا في مؤتمر لمنظمة الصحافة العالمية "وان إيفرا" في كييف، وهو مؤتمر يحضره نحو ألف من الصحافيين وقيادات إعلامية من دول العالم.

وأثناء إلقاء الرئيس كلمته الافتتاحية في قاعة المؤتمر، فوجئنا بقيام عدد كبير من الصحافيين الأوكرانيين بإخراج أوراق كبيرة أحضروها في حقائبهم، تندد بالنظام والقيود الإعلامية وسجن الصحافيين.

وحينما حاول البوليس السري المنتشر في القاعة سحب اللوحات، صدرت تعليمات فورية بالتوقف عن سحبها، لأن الكاميرات تنقل المشهد إلى دول العالم، بالإضافة إلى العدد الهائل من الصحافيين الأجانب الموجودين في القاعة، واضطر الرئيس لأن يختتم كلمته ويغادر القاعة.. وكان هذا الموقف حديث المؤتمر.

وتساءل كثيرون؛ إذا كان الشعب يرغب في إزاحة النظام والمطالبة بنظام ديمقراطي، فلماذا يصر الرئيس على البقاء في السلطة وتزوير الانتخابات ويغامر ربما بحياته في سبيل ذلك؟ تأتي نفس الإجابة السابقة، فالسلطة تعمي البصيرة وتصنع كل المبررات ليقنع الطاغية نفسه ومن حوله بشرعية نظامه وأهميته للدولة، فهو يصف المتمردين بأنهم عملاء ومأجورون.. نفس العبارات والاتهامات، والنتائج واحدة.

يسعد العالم مع سقوط كل ديكتاتور، ويجعل الناس تتفاءل بالأفضل. ففي الدول المتقدمة يغادر الرئيس طوعا حينما يشعر بتراجع في شعبيته، بينما لدينا زعيم يعيش في قلعته في دمشق، ويقتل أكثر من مائة ألف ويهجر ملايين من منازلهم ويتدهور اقتصاد البلد وبنيته، ويتجاهل كل ذلك متمسكا بالسلطة. أي ضمير هذا الذي يجعله يمارس القتل اليومي بانتظام وتتحول بلاده إلى ساحة للمتطرفين والجماعات المتشددة، ويستخدم كل هذه العوامل فقط لإطالة أمد نظام حكمه!

الطغاة ظالمون وقاسون، والتاريخ يعلمنا أن هذه الأنظمة مهما طالت فمداها الزمني محدود. ولكن ألا يتعظون وهم يرون حكاما يسيطرون على شعوبهم بآلة التهديد والتعذيب، وينتهون أخيرا ضمن نفايات التاريخ؟ هل هو غباء سياسي أم عناد شخصي أم أنه الوهم الذي يشوش الحقيقة، والذي يدفع ثمنه آلاف الأبرياء الذين كل طموحهم أن يعيشوا حياتهم بعزة وكرامة، وأن يعيشوا في بلدهم شركاء وليسوا كتابعين؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات