في أسباب انهيار الربيع العربي

ثارت الشعوب مطالبة بحقها في حياة تسودها العدالة الاجتماعية والمعايير الإنسانية، رافعة شعارات الحرية واحترام حقوق الفرد وتطبيق الديمقراطية الحقيقية، هاربة من ثقل القمع والتسلط والقهر والاضطهاد، شاردة من منزلق الفقر والبطالة والركود الاقتصادي، متمردة على أنظمة فاسدة ماليا وإداريا وقضائيا، رافضة اتساع الفجوة بين النخب الحاكمة والمحكومين أو الشعب، ويائسة من تحسين الأنظمة المهيمنة والجمود السياسي. ولعبت الثورة التكنولوجية، بما فيها الفضائيات وسبل التواصل الاجتماعي الإلكتروني، دورا كبيرا لتشعل فتيل الثورة، فقد شهدت السنوات الأخيرة تطوراً حثيثا في وسائل الحوار والتعبير والتواصل، مثل المواقع الإلكترونية حيث باتت شبكات التواصل الإلكتروني ساحات خصبة للحوار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وأداة مؤثرة للتعبير والاحتجاج، ووسيلة فعالة لتنسيق التحرك وتنظيم الاحتجاجات.

وقد تضافرت هذه الأسباب وشكلت عناصر رئيسية محركة للانتفاضات، وانفجرت مشاعر الغضب وأدت إلى اندلاع نيران الثورات العربية، إلا أن أمطار الغضب لم تجد أرضا صلبة تستقبل زخاتها المبعثرة، كما لم تلق أمواج القهر والاضطهاد شطآن السلام لترسي سفنها الهائجة، وتبعثرت المسارات وتشتت فتات اللائحات والشعارات في أرجاء متفرقة.

وترجع أسباب المسارات العشوائية لثورات الربيع العربي، إلى عدة عوامل أهمها: شلل البنية الثقافية، حيث إن ثقافة الديمقراطية وحرية الفرد تتطلب تأهبا واستعدادا مسبقا، فالاستقرار لا يرسو إلا في بيئة خصبة بالثقافة الصحيحة، والأمن لا يتحقق إلا في حضن وعي حضاري مدروس، والأهداف لا تكتمل إلا إذا حلت حقوق الفرد وغرس أبجديات الثقافة الصحية، كاحترام ذاتية الفرد بكل ما يحمل من رأي وقيم وعطاء وعقيدة. فغياب استراتيجية مكثفة لرفع الوعي إلى مستويات متقدمة، وتلف الشرايين التي تربط الأفراد مع مصادر ثقافية صحية ومنابع فكرية متوازنة..

وشح الجرعات المعرفية الإيجابية والكفيلة ببناء نسيج اجتماعي متجانس ومتوازن.. كل تلك العوامل أدت إلى ضمور البنية الثقافية الصحيحة، مما أدى إلى تكريس الفجوة الاجتماعية بين طبقات المجتمع وشرائحه، فأصبحت أكثر حزبية وطبقية وطائفية أو مذهبية. فالعلاقة وطيدة بين نمط الثقافة المستقطبة ومدى الولاء أو الانتماء الحزبي أو الطائفي، لذا كانت الحاجة ملحة لدعم العلماء والمفكرين القادرين على إنقاذ الشعوب من بوتقة الاستعصاء المعرفي والجمود الفكري، ودفعها إلى مسارات مشرقة وفق منهج فكري علمي ناضج، يعمل على تحويل المسارات إلى طاقات إيجابية ويدفعها نحو اتجاهات هادفة ومجدية.

كما أن فساد الأنظمة الإدارية والاقتصادية على مراحل طويلة، أدى إلى هروب الطبقة الفكرية المنتجة، وشريحة المفكرين المبدعين والموهوبين هي الدعامة والركيزة الأساسية لتقدم وثبات الدول. وقد تسبب فساد الأنظمة في هجرة العقول النابغة المحلية، والتي تعتبر العمود الفقري لقوام المجتمع، ومن الركائز الداعمة للأمن والاستقرار، فأصبحت المجتمعات هشة، غير قادرة على الصمود، تتلاعب بها تيارات متباينة. وقد تجسدت هذه المشكلة عندما سقط بعض الأنظمة في أيدي عناصر متطرفة، مما أجج الصراع وزاد أزمة الربيع العربي، كما أدى هجر طبقة المفكرين إلى عدم تمكين عناصر قيادية متأهبة بديلة، على مختلف المستويات ولمختلف الاحتياجات في بعض بلدان الربيع العربي.

كما أن بقاء الأنظمة جامدة وراكدة لفترات طويلة، ترفض اللجوء إلى الإصلاح من كل الأطراف، أدى إلى تأجج الأزمة وانفجار براكين الفوضى والعنف والقتل، حيث كان من الأجدر معالجة الخلل منذ فجره أو قبل تفاقمه، كما كان من الأجدر اتباع نهج التواصل والتقارب بين الحكومات وشعوبها في كل المجالات، بما فيها الأنشطة والمناسبات والأحداث، لتضييق الفجوة وفتح منافذ للمشاركة والحوار والتعبير والاطمئنان على سلامة الأفراد. وتعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة خير مثال على التواصل والانسجام بين الحكومة والشعب، كما تعتبر قدوة رائدة في مسيرة التقدم والتغلب على العثرات، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: «لا نتوانى في تصحيح أي هفوات».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات