مجلة العربي وتاريخ الإمارات قبل الاتحاد

قد تطوي السنين الذكريات، وقد تأخذها بحلوها ومرها، ولكن تبقى الذكريات الحلوة مشرعة على طول السنين، ومفتوحة على ذاكرة الزمن، تحاول استرجاعها كلما أتت بها الذكريات أو تم الهمس بها من حين إلى آخر.

مجلة العربي الكويتية من المجلات التي لم ولن أنساها، فالذكريات معها باقية، وستبقى محفورة في عقلي وقلبي ما دمت أتنفس في هذه الدنيا، فقد كنت أستمتع بها كلما صدر عدد جديد، أو حصلت على عدد سابق لم أكن قد اطلعت عليه، فأحتضنها وأضعها عند رأسي بعد تقليبها لأحظى بالنوم. وكان المرحوم

والدي ماجد السري من المهتمين بمجال الثقافة، وبدأ بتجميع أعدادها، وعند صدور الأعداد الأولية في سنه 1958 حرص على أن يوفر كل عدد منها، ولكن في عام 1960 اهتم بها اهتماماً كبيراً، خاصة عندما شاهد في أحد الأعداد اهتمام المجلة بالاستطلاع الأول عن إمارة الشارقة، عندها قام بتجليد 6 أعداد في مجلد واحد، على أن يضع أعداد السنة الواحدة في مجلدين، وبقي على هذه الحال في جمع أعداد المجلة في السنة الواحدة.

ويكتب اسمه بالكامل: ماجد محمد السري، بتجليد فاخر ويضع مجلة العربي مع الفهرس إلى سنة 1973 لدى عودتنا من الكويت، وعندما شب عودي سمح لي والدي بتوزيع المجلة أولاً على الجيران، ثم على أهل العمارة.

وسط هذه الأجواء الثقافية التي تربيت عليها، كنت أحلم بـ»العربي» وأتلمس صورها وأتابع مواضيعها، وأستفسر والدي عن ماضي المنطقة وكيف هي الشارقة ودبي وعجمان ورأس الخيمة وأبوظبي والفجيرة وأم القيوين، وكيف كان قيام الاتحاد، وكيف هي صورة الفتاة الموضوعة على غلاف مجلة الشارقة في عام 1960، وكيف كان حصن الشارقة القديم؟. وعندما شاهدت استطلاع «العربي» عن دبي سألته:

ما هي فينيسيا الشرق؟ وكان يقول لي: لؤلؤة الخليج دبي، وكنت أشاهد صور بنات دبي في المجلة، وهن يتزين بالحلي الذهبية، وكانت الصور ملفتة للنظر وغيرها من مختلف أجزاء الإمارات التي كنت أتساءل عنها بمختلف الأسئلة.

التقيت بالصحفي سليم زبال في معرض الكتاب مصادفةً عام 2006، بينما كنت مشاركة في المعرض، وكانت عيناه تدوران يميناً ويساراً، وأخذت عيناي تحاولان التعرف إلى هذا الرجل السبعيني الذي مرت عليه السنون، ولكني عرفته بسرعة لأنني كنت أعرف استطلاعاته من خلال مجلة «العربي» التي حفظتها عن ظهر قلب، وكانت تراودني في أحلامي قبل أفكاري الواقعية.

وعندما عرفته لم أفوت الفرصة، فذهبت إليه وسلمت عليه باسمه، فقال لي مستغرباً: كيف عرفتني؟ فحكيت له القصة. وكنت أتجول في معرض الكتاب وأنا فخورة لأنني أمشي مع هذا الإنسان الذي تربيت وتثقفت الكثير من خلال استطلاعاته.

وقال لي إنه فخور بأنه وجد من بنات الإمارات من تربت في الكويت على مجلة «العربي»، ولديها هذا الاهتمام بالمجلة وبتاريخ دولة الإمارات والاستطلاعات المصورة التي أرخت لهذا التاريخ القديم، والتي اهتم بها والدك إلى أن اهتم كثيراً بالمجلة وجعلها في واجهة مجلسه.

من خلال 13 استطلاعاً عن الإمارات العربية المتحدة منذ عام 1960 إلى 1974، تجاوبت لجنة مساعدات الخليج مع كل ما نشر، وعملت على سد الثغرات، ومضاعفة تقديم المساعدات التي وصلت حصيلتها النهائية منذ عام 1953 حتى عام 1971، بناء 45 مدرسة مع تزويدها بكل ما تحتاجه من كتب وأدوات مدرسية وأثاث وكساء للتلاميذ، ودفع نفقات ومرتبات 730 معلماً ومعلمة طوال 18 عاماً، وبناء وإدارة أربعة مستشفيات وخمسة مستوصفات وإقامة محطة للتلفزيون في دبي.

ونقتطف فقرة من مقدمة كتبها الباحث الإماراتي على محمد راشد لكتابه «الإمارات في مجلة العربي»، قال فيها: «إن من يقرأ استطلاعات مجلة العربي سوف يرى كيف كان الناس يعيشون، وبماذا يحلمون، وإلى أي شيء يطمحون؟، والمتتبع لهذه الاستطلاعات لا بد أن يصل إلى حقيقة، وهي أن الذين قاموا بهذه الاستطلاعات كانوا يدركون بحسهم وبما لمسوه من تفاعل وتجانس بين سكان الإمارات، أن هذه الإمارات مهما طال الزمن ستتحول ولا شك من كيانات صغيرة مفككة إلى كيان واحد قوي متماسك».

ويتضح لنا من هذه الاستطلاعات أن «العربي» أسهمت في تسليط الضوء على الحالة التي كانت عليها بعض الإمارات قبل الاتحاد، وهذا الدور لن تنساه الإمارات للكويت وأهلها، وخاصة في هذه الفترة التي تتزامن مع احتفالات الكويت بذكرى عيدها الوطني.. ولن تنسى دور مجلة «العربي» ومساهمتها في كتابة تاريخ دولة الإمارات، قبل قيام الاتحاد وبعده.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات