ما بين القدر ومقاديرنا

ت + ت - الحجم الطبيعي

هل هي مقادير نصنعها بأيدينا أم هو قدر مكتوب علينا أن نلقاه ولا مفر منه؟

سؤال فلسفي جدلي في فحواه وقديم قدم الفكر البشري، ويتطور الجدل من القدر المكتوب إلى مناقشة قضية قدرة الإنسان على تغيير هذا القدر، وقد لخص الفكر البشري هذه القضية تحت سؤال هو: هل الإنسان مخير أم مسير؟ وهو السؤال الذي تاه الكثيرون في الإجابة عنه وتاهوا في جدلياته سنوات طويلة، ولم يكلفوا أنفسهم عناء الخروج من هذا التيه وينظروا ولو لقليل من الوقت إلى ما قدمته لهم الرسالات السماوية .

وكتب الخالق سبحانه وتعالى، والتي أقرت خيارية الإنسان بين الطريقين، طريق الخير وطريق الشر، وإلا ما معنى الحساب يوم القيامة من الله العادل إذا لم يكن الإنسان مسؤولاً عن خياراته في الحياة، ورغم هذا فإن البعض يجد الراحة في إسناد أخطائه وفشله إلى القدر، وقد يتمادى في جهله فيسنده إلى ما يسمى "الحظ".

لا شك أن هناك ظروفاً وعوامل تاريخية موضوعية تسوق الإنسان إلى أقداره، لكن هذه الظروف والعوامل لا تجبره على فعل شيء معين وترك الآخر، بل الواقع أن الإنسان هو الذي يصنع خطوات حياته بمحض إرادته، منذ وصوله إلى مرحلة التمييز وخروجه إلى معترك الدنيا الواسعة ومشاكلها.

استخدام حجة القدر والمقادير يأتي من نوعيات معينة من الناس يحلو لها تبرير الأخطاء أكثر من تفاديها، وهنالك نوعية من البشر تحب قلب الحقائق حسب أهوائها ومزاجها، حتى لو كان سلوكها هذا يضر بأشخاص آخرين أو بالمجتمع ككل، وذلك من دون رادع أخلاقي أو إنساني.

لا شك أن هناك في الحياة من المشاكل والمعوقات ما يصعب على الفرد مواجهتها، لكن هذا لا يجب أن يدفع الإنسان إلى تعطيل إرادته وإلقاء التبعات على الأقدار، الإيمان بالله وقدره يجب أن يصحبه إيمان الفرد بإرادته وبقدراته على صنع الخير وسلوك الطريق الصحيح، تحدي المعوقات هي مهمة من يؤمن أن الإرادة الإنسانية قادرة على إزالتها واحدة بعد الأخرى، حيث أن إهمال تلك المعوقات وتركها دون إزالتها سوف يزيد منها ويجعلها تتشعب وتلتف حول الإنسان مما يؤدي به إلى الشلل والانهيار وقد يدفعه للانتحار.

قدر الله لا يمنع الإنسان من الاجتهاد والجد لصنع الحياة الأفضل، بل هي إرادة الله ومشيئته الذي خلق الإنسان وجعله خاضعاً لقوانين التطور والبناء والرقي، وأسند الله للإنسان مهام البناء في إطار الظروف والإمكانيات التي منحها إياه، وما من شك في أن الحضارات والثقافات المختلفة هي نتاج الإنسان المؤمن بإرادة الله وقدره وبأن الحياة هي تحدٍ دائم من أجل تحقيق الخير وأن مواجهة التحديات والمعوقات وليس الهروب من أمامها هي الحل لإزالتها.

وهناك مثل صيني شهير يقول "البرميل الفارغ يحدث ضجيجا أكثر من البرميل الممتلئ"، وهذا المثل ينطبق في واقعنا العربي على الأفراد والجماعات التي تتشدق بالشعارات والأقاويل وتقل أفعالها أو تنعدم، وإذا ما وقعت المصائب أسندوها للأقدار وتناسوا أخطاءهم وسلبياتهم، وقد كانت بعض الأحزاب السياسية في الوطن العربي تتشدق بالشعارات الرنانة وتدعي أنها منقذة الأمة.

إلا أن الأيام بينت أنها عرقلت التطور الطبيعي لتلك المجتمعات، وأعادتها إلى نقطة البداية وجعلت الإنسان محبطاً وغير قادر على الانتاج تماماً، ماذا لو تصورنا أن حزب البعث لم يصل إلى السلطة في العراق وسوريا، من المؤكد أن تاريخ البلدان التي حكمها سيكون بصورة أخرى.

نحن العرب لسنا وحدنا أصحاب الدين والعقائد على هذه الأرض، بل معظم البشر في مختلف أنحاء العالم مؤمنون بالله وكتبه ورسله، لكن للأسف نحن العرب، الذين استقبلت أرضهم الرسل السماوية وولد عليها الأنبياء وبعثوا من أراضيها، هم أكثر البشر تواكلا على الأقدار والحظوظ وإهمالا للعمل والإرادة القوية على البناء، ولهذا فإن كل ما يحدث لنا من مصائب ومشاكل وتخلف هو من صنع أيدينا وليس لأقدارنا دخل فيها، وصدق قول الله سبحانه وتعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

 

 

طباعة Email