الوطنية بامتياز مع مرتبة الشرف

تتردد على مسامعنا كثيراً، وخاصة في الآونة الأخيرة، كلمة الوطنية والمواطنة، وعند محاولة الحصول على تعريف للكلمة فالنتيجة ستعود بمئات التعريفات، التي تنصب في مجملها حول الولاء والإخلاص والانتماء للوطن. كلٌ منا يتغنى بكونه وطنياً من الطراز الأول، ننتمي للإمارات ونعبر عن حبنا وولائنا لهذا البلد بالقول والفعل، والإسهام في رفعته من خلال أعمالنا وإنجازاتنا ومساهمتنا في تطويره، وأيضاً من خلال الإسهاب في الدفاع عنه والذود عن ممتلكاته ضد أية أخطار. وإذا اعتبرنا أن الوطنية هي حساب مصرفي وأعمالنا هي ما نودعه فيه، فكم سيكون في رصيد هذا الحساب؟ هل نحن حقاً وطنيون كما ندعي؟

المواطنة الصالحة والصادقة هي عضوية دائمة للوطن، وهي موروث من العادات والسلوكيات والقيم والمبادئ والأخلاقيات، التي جوهرها الوفاء والإخلاص والولاء. حب الوطن يتضح لدينا جلياً في دولة الإمارات، حين نرى أن نبض الشعب متوحد ومتجانس في حب الله والوفاء للوطن والولاء للقيادة، حتى أصبحوا مضرب المثل لأنهم وبشهادة مواطنيه والمقيمين وبشهادة العالم؛ أسعد شعب. العلاقة بين شعب الإمارات وقيادته هي علاقة فريدة من نوعها، فشعب الإمارات بمختلف أطيافه لا يدعي الكمال، ولكنه قانع وسعيد وراضٍ عن حكومته والقيادة التي تعمل وفق رؤية واضحة، هي إسعاد مواطنيها الذين وفرت لهم كل سبل الراحة والرفاهية والعيش الكريم.

تسعى هذه القيادة الحكيمة للارتقاء بالوطن من خلال هؤلاء الأفراد، وفي المقابل يعمل الأفراد بإخلاص ووطنية ليكونوا جزءاً فاعلاً في تحقيق الرؤية الطموحة لتكون الإمارات متفوقة في مختلف المجالات. ولكن لكل قاعدة شواذ، ويجب أن نتفق على أنه ليس كل المواطنين وطنيون بصدق، وليس كل منتمٍ للإمارات يشعر بكلماتٍ كـ"نفديك بالأرواح يا وطن".

كأشخاص، لدينا انتماءات فطرية واحتياجات أساسية يجب أن تتحقق لنشعر بالأمان والاستقرار النفسي والعاطفي. انتماءاتنا الفطرية تتوجه نحو الأسرة التي تربينا فيها، والمكان الذي ولدنا فيه، والجنسية التي نحملها، إلى ما غير ذلك من أمور تخرج عن نطاق سيطرتنا؛ فنحن لا نختار أمهاتنا أو آباءنا، ولا نختار البلد الذي نعيش فيه، ولا نختار اللغة التي نتخاطب بها، وغير ذلك مما لا نتحكم فيه عندما نكون أطفالاً. وتكمن الاحتياجات الأساسية للإنسان في توافر سبل الراحة والأمن والأمان، وتلبية طموح المجموعة والأفراد.

ولكن إذا شعر الشخص بعدم الارتياح بأيٍ من هذه العلاقات، فسرعان ما سينقلب البعض ضد المعطيات هذه ويبدأ في اختيار بدائل تناسبه إن وجدت. تتفاوت ردود الأفعال وقد تكون صامتة، حيث يصبح الشخص مشحوناً بالسلبية وينتظر الفرصة ليبث امتعاضه ضد الأنظمة والقوانين التي لا تناسبه، وقد تكون ردة الفعل أكبر بكثير لتصل للخيانة في محاولة البعض لقلب النظام.

شعب الإمارات يعبر عن رأيه بأدب وينتقد بهدف البناء لا الهدم، فالقيادة تتفاعل يومياً مع الشعب وتشجع على أن يتم إيصال أصواتهم إليها، وتعمل جاهدة على تحقيق المطالب التي تصب في مصلحة البناء الوطني.

القيادة تمتلك أسساً ثابتة ذات أهداف واضحة وخططاً طموحة، وتتعامل بشفافية مع مواطنيها، مما مكَّنهم من التعبير عن آرائهم بعد تحديد ما يعتبرونه موضعاً فيه تقصير وبشرح أسباب التقصير وباقتراح البدائل المناسبة، فما وجدوا سوى الترحيب وتحقيق الرغبات. فالناقد ليس أقل وطنية من غيره، لأنه باقتراحاته يسهم في تحسين ما قد يتطلب التحسين والتطوير.

إذا لم يوفر البلد الحد الأدنى من الاحتياجات، فلدى الشخص حرية الاختيار في البقاء بسلام أو الرحيل لمقر آخر يوفر له ما يتمناه من احتياجات شخصية. الكثيرون من إخوتنا العرب هاجروا من مختلف الأقطار إلى دول أوروبية أو إلى أستراليا أو إلى القارة الأميركية الشمالية، لتلبية رغبات في أنفسهم، ولتحقيق طموحات شخصية، فصارت انتماءاتهم لهذه الدول حين وجدوا ضالتهم وأصبحوا بذلك سعداء.

هناك الملايين ممن اتجهوا إلى الإمارات واتخذوا منها موطناً، لما توفره من رغد عيش وفرص وأمن وسلام وتسامح لكل الأديان والطوائف، وهي أمور ما كانوا ليحلموا بالحصول عليها في مواطنهم الأصلية. فمع كل ما توفره الإمارات من امتيازات، وبشهادة الشعب من مواطنين ومقيمين عوضاً عن التقارير الدولية، أستغرب من أنه لا يزال البعض ينتقد متحاملاً هادماً، ويستغل أية فرصة تواتيه للتهجم على هذه الدولة المعطاء ويتهمها إجحافاً بأنها سلبت حقوقه..

ولكنها بكل إنصاف لم تفعل، خاصة وأن غالبية الشعب تقول عكس ذلك، والمطالبات التي لا تنصب في مصلحة الغالبية العظمى هي مصالح فردية وأنانية بحتة. الإمارات لم تسلب حقوق أحد، وما زال خيار الهجرة متاحاً لمن يرغب إلى الدول التي يرى أنها ستوفر له أكثر مما يتوفر له في دولة الإمارات.

الإمارات أكبر من ادعاءات مجحفة واتهامات ظالمة من زمرة ضالة، ففي وحدة شعبها وتعاضده رد صريح على كل ما يقال ضدها، وفي ولائه المطلق إعلان أنه يقف متحداً في صف قيادته. والوطنية ليست في الادعاء بأن المصلحة الأولى والأخيرة هي للوطن، بل هي واجب على كل مواطن يعشق تراب هذا الوطن.

وعلينا كمواطنين ألا نلتفت لصغائر الأمور في تصيد أخطاء بعضنا، فكلنا خطاؤون، فلا أجمل من أن ننصح وننتقد بأخلاقيات راقية، وأن نركز على الأمور الأهم، ونوجه طاقاتنا في كل ما يسهم في رفعة الوطن. عندما يعطيك الوطن بكرم وبلا حدود، فمن باب الامتنان أن ترد الجميل ولو بالقليل، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

ومن مقولة سيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه: "إن الأجيال سوف تمضي بعون الله على أرض الإمارات جيلاً بعد جيل، وستبقى بفضل الله هذه الأرض الطيبة تحرسها عناية الخالق وتحميها عزائم الرجال وسواعدهم، وستبقى راية الإمارات عالية خفاقة وتبقى معها أعمال رجالها المخلصين الأوفياء شواهد حية ومعالم بارزة على درب مسيرة هذا الوطن".

أستنبط أن الوطنية في الإمارات مسؤولية تنعكس في إسهاماتنا في تنمية روح الولاء والانتماء للوطن، من خلال أعمالنا بشرف وأمانة، وفي تسلحنا بالعلم والمعرفة لتزدهر الدولة من خلال إنجازاتنا، وفي المساهمة في تحقيق التجانس الاجتماعي والتناغم المجتمعي، وتعزيز الانتماء والحفاظ على هويتنا الوطنية الإماراتية.

لا نحتاج لمئات التعريفات لكلمة الوطنية، فتعريف الوطنية هو: "شعب الإمارات" الذي نالها بامتياز مع مرتبة الشرف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات