العرب والانطلاق في عالم الطباعة

بحلول القرن 18، كان معظم الدول العربية ولايات تابعة للإمبراطورية العثمانية، وفي هذا الإطار العام كانت هناك استثناءات حيثما تعلق الأمر بالطباعة والصلات الثقافية بالعالم الخارجي.

والمثال البارز في هذا الشأن هو الجماعات المسيحية في سوريا ولبنان، حيث كانت الكنائس هناك على اتصال وثيق بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وكانت تتلقى نصوصا دينية مطبوعة، كالأناجيل وكتب الصلاة التي تطبع في روما وأماكن أخرى غيرها، ولم ينقض وقت طويل حتى اتخذ قرار بإقامة مطابع محلية لطبع مثل هذه الكتاب.

أنشئت المطبعة الأولى من هذا النوع في لبنان عام 1610، على أنه تعين الانتظار حتى عام 1706 لكي يرى النور الكتاب العربي الأول المطبوع بحروف عربية داخل العالم العربي، وذلك في حلب على يد رجل يدعى عبد الله زاخر. واقتضت طباعة الكتب من قبل المسلمين العرب، الانتظار قرنا آخر من الزمن، حتى وصول المطبعة الشهيرة التي جلبها نابليون إلى القاهرة في إطار حملته على مصر.

وحتى ذلك الحين، اقتصر استخدام المطابع الموجودة في العالم العربي على طبع الكتاب بلغات مثل العبرية، حيث كان هناك تردد في استخدام المطابع لطبع الكتب العربية التي تتناول الإسلام.

وعندما غادر نابليون مصر عائدا إلى فرنسا عام 1801، اصطحب معه مطبعته وتوقف طبع الكتب في مصر حتى عام 1822، حين تم في ذلك العام طبع كتاب في ضواحي القاهرة، في مكان قدر له أن يحظى بشهرة مدوية هو بولاق، حيث أقيمت مطبعة شهيرة هناك بناء على تعليمات محمد علي باشا حاكم مصر آنذاك والرجل الذي عقد العزم على تحديثها.

خلال العقود التالية، قدمت مطبعة بولاق دفقا لا ينقطع من الكتب باللغة العربية، حول حشد كبير من الموضوعات، بما في ذلك الكتب التي تدور حول الفقه والتصوف. وهكذا تم بالفعل تجاوز الحظر الذي كان مفروضا عمليا، على الكتب المطبوعة بالعربية التي تتناول مطبوعات إسلامية. وفي وقت لاحق، أقيمت مطابع أخرى في مصر وفي بلاد عربية أخرى، وتم التغلب على الانحياز ضد طباعة الكتاب باللغة العربية في العالم العربي بأسره.

ونلاحظ هنا أنه في مالطا، على سبيل المثال، أنشئت مطبعة نشطة عمل فيها الكاتب العربي الشهير فارس الشدياق، وطبعت في هذه المطبعة كتب عديدة لاستخدامها في المدارس، واستخدم الكثير من هذه المطابع حديثة الإنشاء لطبع الصحف والدوريات.

وشهد منتصف القرن 19 انطلاق الطباعة العربية في الشرق الأوسط، حيث أنشئت المطابع خلال هذه الفترة في القدس ودمشق والموصل، وأقيمت مطبعة كبيرة في بغداد، وانتشرت المطابع تدريجيا في شمال إفريقيا كذلك.

وسرعان ما أصبحت العملية المعروفة باسم الليثوغرافيا، أو الطبع على الحجر، منتشرة على نطاق واسع، وكان تم اختراعها في نهاية القرن 18، حيث كان يتم الطبع مباشرة من سطح أصلب من الحجر مزود بالحبر، ثم استخدمت فيه بعد ذلك مواد أخرى. وقد راج هذا النمط من الطباعة في الغرب لطبع الكتب المصورة، أما في العالم العربي فسرعان ما تم إدراك أن تلك الطريقة يمكن استخدامها لإعادة إنتاج النصوص.

وهكذا فإنه بدلا من صف الحروف المفردة، وجد أنه يمكن توظيف كاتب يكتب الخط مباشرة على الحجر أو على الصفيحة المستخدمة في الطباعة الجاهزة لعملية الطبع. وقد لجأ الكثير من المطابع والمكتبات التي لا تستطيع استثمار أموال في أطقم الحروف، إلى استخدام هذا الأسلوب الفني.

وبهذه الطريقة فإن المصاحف المطبوعة أمكن اعتبارها مكتوبة، وأصبحت مقبولة على نطاق جماهيري واسع، وهكذا فإنه حتى اليوم لا يزال أسلوب الليثوغرافيا يستخدم في طبع القرآن الكريم. وأدى التقدم في إصدار الصحف والمجلات العربية، إلى تحقيق الكثير لإدخال التحسينات في إنتاج الكتب المطبوعة بالخط العربي.

وكانت عملية إعادة إنتاج النسخ المفردة من الكتب، تعني أن الكثير من الأدب الكلاسيكي المخطوط قد ضاع للأبد، في الحالات التي توجد فيها نسخة وحيدة من عمل ثمين. ومع استخدام العرب للطباعة، فإن الكثير من مثل هذه المخاطر تم تجاوزه.

وهكذا، فإن أهمية المطابع في مجال اليقظة الثقافية والمعرفية في العالم العربي، هي أهمية فائقة ولا نفيها حقها مهما أطلنا الحديث عنها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات