ضوء على الموقف الروسي من الأزمة السورية

أكد بعض قياديي الائتلاف الوطني السوري، أن الموقف الروسي تغير "جزئياً" تجاه الأزمة السورية، وخاصة تجاه المعارضة والتسوية المحتملة لهذه الأزمة. ورغم أن هذا التغير جزئي وهامشي حتى الآن، إلا أنه يشي بنيات السياسة الروسية، ورغبتها في تبني سياسة جديدة، بعد أن وسعت طيف سياستها لتشمل البلاد العربية كلها، بدليل علاقاتها الجديدة مع مصر، وانطلاقاً من شكوك العرب في الموقف الأميركي الجديد من قضاياهم. ويبدو أن الدور السوفييتي السابق في البلدان العربية والسياسة السوفييتية فيها، أصبحت تلوح في أفق السياسة الروسية..

وأن ملامح دور جديد أخذ يراود هذه السياسة، وربما أدركت أن رهانها على النظام السوري لوحده لن يفيدها كثيراً، وأن مكاسبها منها هي مكاسب تكتيكية ومؤقتة، ولذلك اقتنعت بضرورة عقد الصلة بالمعارضة السورية، وببعض الأنظمة العربية المعادية للنظام السوري.

تبدت ملامح احتمالات الموقف الجديد، من خلال اتصال الرئيس بوتين بالملك عبد الله، وتطمينه بأن السياسة الروسية تحرص على المصالح العربية وعلى إنجاح مؤتمر جنيف 2، ليس بسبب رغبتها في إنقاذ النظام السوري، وإنما بهدف إنقاذ سوريا. وكان مجرد الاتصال نفسه، والإعلان عنه من قبل الروس بأسلوب لا يخلو من الاستعراض، رسالة واضحة لأطراف عديدة بما فيها النظام السوري نفسه..

فضلاً عن المعارضة السورية والأنظمة والشعوب العربية. كما التقى ميخائيل بوغدانوف ممثل الرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط، بوفد من الائتلاف الوطني السوري في إسطنبول، وأعلنت الخارجية الروسية دعوة فصائل المعارضة السورية إلى موسكو لمحاورتها حول الأزمة السورية..

وقد وجهت دعوة رسمية للائتلاف (المعارضة الخارجية) وقبلها، كما وجهت دعوة مماثلة إلى هيئة التنسيق (المعارضة الداخلية)، وقبلتها، واستقبلت وفداً من النظام السوري، وأخذت تنشط في اتجاه إجراء حوار ثنائي متعدد الجوانب مع الأطراف جميعها، بهدف بلورة مشروع اتفاق قبل عقد مؤتمر جنيف.

وعندما اجتمع بوغدانوف مع وفد الائتلاف في إسطنبول، وهذه أول صلة رسمية بالائتلاف، تساءل أمام الوفد لماذا لا يجتمعون بالرئيس الأسد ويقنعونه بالتخلي عن السلطة، ويتعهدون له بضمانات معينة (أمنية وعائلية)؟ وكان العرض مستغرباً وساذجاً على رأي أعضاء الوفد، فكيف يقنعون الأسد بالتنحي ولم تقنعه به ثورة شعبية طوال ثلاث سنوات؟

خاصة وأن العرض جاء على لسان بوغدانوف العارف بشؤون سوريا وشعبها ونظامها وسياسييها، وبالتالي فمن المستحيل أن يكون هذا الطلب ضمن قناعاته الشخصية، وإنما هو طلب وزارة خارجيته ووزيرها، التي أثبتت جهلها بالواقع السوري (أو تجاهلها هذا الواقع وحقائقه).

وعلى أية حال، فسواء كان عرض بوغدانوف من اقتراحه أو من اقتراح غيره، فإنه مؤشر أكيد على رغبة روسية في الوصول إلى "تسوية" على طريقة "بوس اللحى"، وليست تسوية تاريخية شاملة وعميقة، تتناول تغيير النظام إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي، ومحاكمة المجرمين وإطلاق سراح المعتقلين والتعويض عن الضحايا والخسائر.

تقول السياسة الروسية (سراً) وتهمهم للبعض ممن يحاورنها، أنها كانت تدعم النظام السوري دون تحفظ بسبب اقتناعها أن بقاءه واستمراره يمنعان الفوضى في سوريا، ولا يتيح "للإرهابيين" توسيع مجال نشاطهم بما يطاول الأراضي الروسية، بسبب مشاركة متطوعين شيشان ضمن قوات المعارضة المسلحة، إضافة إلى أنه آخر الأنظمة العربية "العلمانية"..

ولكنها لاحظت أن النظام يتراجع وأنه فقد السيطرة على نسبة كبيرة من سوريا، وبالتالي فإن "الفوضى" تنتشر أكثر بوجوده واستمراره، ولذلك رأت العودة لإيجاد حل "تصالحي" يحافظ على النظام ويرضي المعارضة..

وهذا هو موقفها الجديد، الذي قادها إلى الموافقة مع الأميركان على نزع السلاح الكيماوي، واستعجالها عقد جنيف 2، ومحاورتها فصائل المعارضة السورية المتعددة، وإفهامها النظام باستحالة استمرار الحال القائم مدة أخرى، وربما لا تخرج زيارة الوزير لافروف لطهران عن هذا الهدف.

لقد تسربت ملامح موقف روسي جديد، قيل إن السياسة الروسية اتفقت عليه مع طهران وأقنعتها به، وأن هذه السياسة تسعى لإقناع جميع الأطراف بالقبول به، وخلاصته عدم التجديد للرئيس الأسد..

وإبقاء النظام القائم، على أن تتم شراكة بين بعض قادته وقادة المعارضة في حكومة انتقالية، وبذلك لن يتأذى أتباع النظام وأهله ولا السياسة الإيرانية (التي تبقى مصالحها محفوظة)، ولا السياسة الروسية. وكأن المشكلة هي في الرئيس الأسد، وبالتالي فإن السياسة الروسية الجديدة تريد تحقيق أهداف النظام وحلفائه بالسلم، بعد أن عجز عن تحقيقها بالحرب.

وقد استمعت الأوساط الروسية التي نوهت أو أشارت أو أوحت بمثل هذا العرض، لرفض مطلق من قبل جميع فصائل المعارضة، ولكن يبدو أنها لم تستفد ولا تريد أن تستفيد من خبرة السياسة السوفييتية السابقة، ومن أكداس المعلومات عن سوريا وشخصياتها وفصائلها وتياراتها السياسية، ومن الأعداد الكبيرة من المختصين الروس بالشؤون السورية، ومنهم بوغدانوف نفسه الذي يعرف سوريا كما يعرفها أهلها، والمعجب بالأطعمة السورية كما أعلم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات