مانديلا.. الطهراني الذي أحب جلاديه

الزعيم الإفريقي الكبير نيلسون مانديلا لم يغادرنا، بل ترك رسالة ضافية للملتبسين بالأعمال السياسية والكفاحية المصيرية، ممن يلتمسون المبررات لتجويز استخدام العنف في كل الأحوال. وتتلخص رسالة مانديلا في أن الحق يؤخذ بالطريقة المتاحة والمباحة، فالحق الذي يمكن نيله بالعمل السلمي لا يحتمل ماعدا ذلك، وإذا انسدت الأبواب أمام الحلول السلمية فلا مانع من مقارعة العدو بالسلاح.

فرق مانديلا دوماً بين البيض ونظام الفصل العنصري، وهو الذي خرج من سجنه الطويل كارها للفصل العنصري.. مُجيزاً مقارعته، ولكن دونما اعتراض أو انتقام من المواطنين البيض، الذين دفعوا ذات الثمن عندما وجدوا أنفسهم في حالة اتحاد مع جلاديهم، من خلال إلزامهم باتباع قوانين الفصل العنصري من موقع التمييز ضد الملونين، وكانت قوة القانون محكومة بإرادة السلطة السياسية، المُلزمة لهم جبراً لا خياراً.

أدرك مانديلا هذه الحقيقة، وقرر عدم الخلط بين النظام والشعب، وقال إن مشكلته مع النظام بالذات، لا الشعب بطيوف ألوانه.

هذه الرسالة الناجزة جسَّدها مانديلا من خلال رؤية إنسانية مستوعبة لمعنى الأنا والآخر، حتى وإن كان ذلك الآخر بمثابة السجَّان الجلاد، وقد اتسق مع قناعاته في علاقته الحميمة بسجَّانيه، الذين كان يلتمس لهم العذر لكونهم مُلزمين بنواميس الدولة العنصرية.. ينفذون الأوامر التي يتلقونها، وينخرطون في الأداء داخل المؤسسة العقابية. اعتمد مانديلا على طاقة الروح، وهو يواجه سجناً مرعباً..

وينفذ الأشغال الشاقة الأكثر ألماً، ويقوم بتقطيع الأحجار في رابعة من نهارات الشمس الحارقة. وكان يقينه بمعنى سجنه الطويل، يزيده قناعة بصحة رسالته المقرونة بتطلعات شعبه للحرية والعدالة والمساواة. ظل متمسكاً بابتسامته الآسرة التي لا تكاد تفارق شفتيه، وعلاقته الحميمة مع من يحيط به، وسؤاله عن الآخرين، حتى وهو بعيد عن العالم الخارجي مختصر الإقامة في زنزانة ضيقة.

صورة مانديلا عندما كان شاباً قوياً وفتياً، تغيرت تماماً بعد سجنه الطهراني المديد، فأصبح متألقاً بجمال الروح، مقيماً في نورانية الصفاء والتجلِّي.. رحيماً بالفقراء والمساكين.. صريحاً في حديثه عن الحقائق المؤلمة، وقد ظهر هذا جلياً في محاكمة الطلاق الشهيرة من زوجته ويني مانديلا، وحين وفاة ابنه بمرض الإيدز. وكلما طال به العمر بدا أكثر صفاء وقوة، وانقلبت سحنته رأساً على عقب، ليكتسي قوة معنوية تستمد وهجها من تروْحن مقرون بالمحبة الصافية النقية.. تلك التي تصل في ذروتها إلى حد استيعاب المُختلف العنيف، مهما بلغ في تطرفه وتجاوزاته.

صبر مانديلا على الأيام، ولم يغير مواقفه المُعلنة سلفاً، ومطالبته بإلغاء نظام الفصل العنصري، واعتبار البشر سواسية، بغض النظر عن جذورهم العرقية والدينية. كان نصيرا للقضية الفلسطينية، رافضاً للسلوك اليميني الأميركي الأنغليكاني المؤمن بعقيدة الحرب الدائمة.. رافضاً للتدخلات في شؤون الغير.

من أقواله التي تستحق الاستعادة في هذه المناسبة: «طوال حياتى وهبت نفسى لصراع الأفارقة، وحاربت ضد هيمنة ذوي البشرة البيضاء، وضد هيمنة ذوي البشرة السوداء أيضاً، وقد قدّرت فكرة الديمقراطية وحرية المجتمع حيث تعيش البشرية فى تناغم ومساواة فى الحقوق، وهى مبادئ أتمنى الحياة من أجلها، ولكن لو كانت إرادة الله فأنا مستعد أن أموت من أجلها»..

وقوله أيضا «عند خروجي من السجن أدركت أنّي إن لم أترك كراهيتي خلفي فإنني سأظل سجيناً». «لقد خفّ حَنَقي تجاه البيض داخل السجن، ولكن بُغضي للنظام العنصري تضاعف».

تلك قبسات من أقواله الدالة على سجاياه وموقفه، وبهذه المنعة تصدى لكل المحاولات، فقد استخدموا ضده أكثر العلاقات الاجتماعية حساسيَّة وحميمية في حياته، وحاولوا تضليل زوجته السابقة لتضغط عليه قبولاً بمرئياتهم، ولم يدركوا قوة الشكيمة التي لديه، وهو البادي بسحنة المتسامح المحب الرافض للموبقات.. لكنهم لم يصلوا معه إلى طريق يُرضيهم.

عندما خرج مانديلا من سجنه لم يتقمَّص ثوباً مفارقاً لجوهره «الناسك»، بل باشر فض الاشتباكات الاجتماعية بينه وبين أقرب الناس له، فكان كأي إنسان طبيعي.. يتزوج مرتين، ويُطلق مرتين، ليستمر مع زوجة أخيرة ثالثة، وليقول للقاصي والداني إنه ليس قديساً، بل رجل من عامة الناس.. كان التسامح والسماحة لصيقين بأيامه ولياليه، حتَّى أنه تولَّى دور الزعيم الروحي وهو لا يزال مُصفداً بأغلال السجن، حتى انخطفت بسجاياه جموع المُحلِّقين حوله، وكانت الفئة القليلة من الإداريين والسجانين الذين رافقوه في رحلة السجن الأطول، يسعدون بإلهاماته، مُعتبرين أنفسهم في عداد المحظوظين لقيامهم بالواجب العقابي تجاه مانديلا..

ذلك الواجب الذي جعلهم قريبين من خِصاله الحميدة وإشاراته الرفيعة. بعد حين قيَّض الله لجنوب إفريقيا زعامة بيضاء، تستوعب المعنى وتقبض على المغزى العميق لرسالة مانديلا. يومها أقر نظام الفصل العنصري بأن هذا النظام لا علاقة له بالسويَّة الإنسانية، وعليه أن يكُفَّ عن الوجود.

. وهكذا جاءت اللحظة الشجاعة للتنازل الحُر، لتثبت أن أقسى المحن وأكثرها بلاءً قد تتحول إلى انفراجة، ومناسبة لتقديم المثال الساطع على معنى الحرية والعدالة المساواة. خرج مانديلا من سجنه ليصبح أول رئيس إفريقي منتخب لجنوب إفريقيا، لكنه كان على موعد مع الاستحقاق الأكبر..

والعاصفة الأعتَى، فقد شرع بعض أنصار المؤتمر الوطني الإفريقي في إشهار سيف الانتقام، والتلويح بعنف أهوج ضد المستوطنين البيض، فما كان من مانديلا إلا أن يُطالب ملايين الجماهير الغفيرة في ملعب الاستاد الكبير في العاصمة جوهانسبرغ، بالتخلِّي التام والكامل عن أي خيار عُنفي انتقامي...

مُتحدثاً إليهم بصفته زعيم المؤتمر الوطني الإفريقي من جهة، ورئيس عموم المواطنين في جنوب إفريقيا.. رافضاً أي عنف محتمل ضد المواطنين البيض، قائلاً بلسان الحال: أنا رئيس الدولة من أجل السلام والتضامن والمواطنة المتساوية، ولست رئيساً لتصفية الحسابات والانتقام.

كلماته الواضحة، وإصراره على أن تعبيره عن إرادة الناخبين مرهون بقبول من اختاروه لمنهجه السلمي الرافض للعنف، حوَّلت المشهد الانتقامي المفترض إلى حقيقة مداها جنوب إفريقيا المُتصالحة.. القابلة لتعايش الأنساق والثقافات، والتخلِّي عن الماضي البائس غير مأسوف عليه.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات