المواطن الإماراتي وحقائق التمكين السياسي

لم يكن عفوياً اختيار سيدي صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، مناسبة اليوم الوطني في العام 2005 لإعلان برنامجه الوطني الشامل للتمكين السياسي، ذلك أن العلاقة بين رمزية اليوم الوطني كرمز للاستقلال والاتحاد وبين التمكين السياسي الوطني، تتعدى الاحتفاء البروتوكولي إلى البناء المتواصل في عمق العلاقة التجذرية للمواطن بدولته، وللقيادة بشعبها.

واليوم بعد تسع سنين على بيان صاحب السمو رئيس الدولة، وإجراء انتخابات مرتين للمجلس الوطني الاتحادي، فإن المستقبل يبدو للإماراتيين أكثر تفاؤلاً وإشراقاً بالوعد الجميل الذي خطته يد سيدي "بوسلطان"، وهو الذي خبر طموحات شعبه وتعرف على أمانيهم منذ ريعان شبابه، وها هو اليوم الأكثر دراية بشعبه والأقرب إلى قلوبهم وآمالهم وأمانيهم.. حفظه الله تعالى لنا وأدام عزنا به!

لكن السؤال الذي يحتاج منا جميعاً تلبيته، هو: أين نحن كمواطنين من برنامج "الزعيم الفلاحي" للتمكين السياسي، وماذا ينبغي علينا أن نقوم به لكي نلاقي طموحات القيادة الرشيدة لخير هذا الحمى ومصلحة أبنائه؟

أعتقد أن أفضل إجابة على هذا السؤال هي في الكلمة السامية التي وجهها صاحب السمو رئيس الدولة إلى شعبه الوفي الأسبوع الماضي، بمناسبة اليوم الوطني الثاني والأربعين، حيث قال سموه، حفظه الله، موضحاً الإطار الوطني السليم لأي تمكين سياسي وتنمية مستقبلية طموحة لوطننا الغالي الإمارات:

"لن يكون المستقبل الذي نصبو إليه ونتطلع نحوه دون بيئة اجتماعية ثقافية غنية مؤثرة، تزيدنا ثقة بذاتنا وفخراً برموزنا وتمثلاً لتراثنا وتمسكاً بجوهر إسلامنا دين الرحمة والتسامح والاعتدال والانفتاح. إن تنمية لا تحمي الأسرة ولا تستلهم المخزون الثقافي للمجتمع وأخلاقه، هي تنمية ناقصة مهما بلغت عائداتها، فتجريد الإنسان من لغته وعاداته وتقاليده وقيمه حرمان له من انتمائه وعناصر هويته...

وإلغاء لقدرته على التحدي والإبداع والتميز والانفتاح الواعي على ثقافات العالم. فلا مستقبل لتنمية دون ثقافة وطنية، ولا مستقبل لثقافة وطنية دون إدماج تام لمكوناتها في مناهج التربية وسياسات الإعلام وبرامج التنشئة الأسرية والاجتماعية". وأضاف سموه: "على ذات الدرجة من الأهمية والأولوية، فإن الولاء للوطن وقيادته واحترام الدستور والامتثال للقانون والالتزام بقيم المجتمع، هي ثوابت لا نتهاون فيها ولا نتساهل، ذلك أن صيانة الأمن هي الهدف الأسمى الذي يوفر المناخ الملائم للتنمية".

أهمية كلام صاحب السمو رئيس الدولة هذا، أنه يضعنا أفراداً أمام مسؤولياتنا الوطنية بشكل مباشر، فالولاء للوطن وقيادته واحترام الدستور والامتثال للقانون والالتزام بقيم المجتمع، كلها سلوكيات تبدأ من الفرد وتنتقل للمجموع، لذلك لا يصح أن نتساءل ماذا نستطيع أن نفعل لخدمة دولتنا، فنحن جميعاً مسؤولون لخدمة هذه الدولة.

علينا أن ندرك أن تجاوبنا مع طموحات صاحب السمو رئيس الدولة ونائبه وإخوانه أصحاب السمو الحكام، والهادفة إلى تمكين المواطن الإماراتي وطنياً وسياسياً، هو جزء من التزامنا بمواطنتنا كإماراتيين والقيام بواجباتنا الوطنية تجاه دولتنا واتحادها واستقلالها، وأن النكوص عن العمل الوطني المؤطر بقيادة صاحب السمو رئيس الدولة، هو نكوص عن مسيرة التعاضد الوطني والتضامن البنيوي بين القائد وشعبه ..

وفيما بيننا كمواطنين، لتعزيز فكرة الاتحاد والبناء عليها تنموياً ووطنياً وسياسياً واقتصادياً. نحن لا نتحدث عن ترف، فالآباء المؤسسون عندما نصوا في الدستور على تأسيس المجلس الوطني الاتحادي كان هدفهم واضحاً، ألا وهو تمكين المواطن الإماراتي من إيصال صوته إلى قادته ضمن إطار مؤسسي، بحيث يكون شعب الإمارات شريكاً في إقرار القوانين التي تضمن مصلحته وتصون دولته وحماه.

ودعونا هنا نتذكر أن الصلاحيات التي منحها دستور الدولة للمجلس الوطني الاتحادي في المواد 89-93، ليست صلاحيات قليلة ولا بسيطة، وإنما هي صلاحيات ثقيلة ومسؤولية جسيمة وتكليف أكثر منها تشريف، لكل أعضاء المجلس، سواء أكانوا منتخبين أم معينين. أما وقد استقرت الإرادة السياسية لقيادة الدولة على إدخال مبدأ الانتخابات للمجلس الوطني الاتحادي..

كما حصل في الدورين التشريعيين الماضيين، فإن هذه المسؤولية الجسيمة تنتقل أيضاً إلى المواطن عند إدلائه بصوته لاختيار ممثليه في المجلس، لأن المطلوب اختيار أعضاء يرتقون في كفاءتهم وأدائهم وإخلاصهم وولائهم إلى مستوى طموحات القيادة وتمنيات الشعب، خاصة وأن العضو لا يمثل إمارته أو فريجه، وإنما يمثل شعب الإمارات ككل.

وهذا يتطلب من المواطن التقدم خطوة للأمام، بتثقيف نفسه بدستور الدولة وتشريعاتها الناظمة، فلم يعد مقبولاً أن يكون لدينا مواطنون مثقفون ومتعلمون لا يعرفون شيئاً عن الضمانات الدستورية والحقوق المصانة، وهو أمر يتجلى أسوأ ما يتجلى حين يقع بعضنا في فخ ما تدعيه جهات ما فتئت تفتئت بالكذب والزور والبهتان، على دولتنا ونظامنا السياسي وإنجازاتنا، فيصدقون ما يقال لأنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء الاطلاع على إنجازات دولتهم ومنظومتها الدستورية والتشريعية والحقوقية.

وهذه فرصة لتذكير أنفسنا بالرسالة الواضحة والمباشرة التي وجهها صاحب السمو نائب رئيس الدولة في كلمته لمناسبة اليوم الوطني إلى كل واحد فينا، ليحملنا من خلالها قدراً أكبر من المسؤولية الوطنية، إذ يقول سموه رعاه الله: "ما زال أمامنا الكثير لننجزه، ولا عذر لنا في عدم الإنجاز أو في بطء الإنجاز، فإمكانياتنا وفيرة وقدراتنا متوثبة وخبراتنا الذاتية ثرية وطاقتنا الإيجابية لا تنضب، وسواعد شبابنا وشاباتنا قوية وعقولهم نهمة للمعرفة ونفوسهم تواقة للعمل والإتقان، والتحامهم بقيادتهم والتفافهم حول رؤيتها يدفعهم للعطاء في كل المواقع، والتفاني في خدمة الوطن والاستعداد لبذل الغالي والنفيس لصون أمنه واستقراره وتحقيق عزته ورفعته".

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات