الذين يكرهون الإسلام

قد يكون شيئاً جيداً أن تعتذر دولة هولندا عن إساءات النائب الهولندي غيرت فيلدرز للإسلام والقرآن والرسول، كما طلب بعض الهيئات والمؤسسات في العالم الإسلامي، بعد أن عاود النائب الحاقد هجومه واتهاماته الفاسدة الدالة على جهل مفرط بالإسلام؛ جوهراً وقيماً. وقد سبق لهذا الرجل أن صنع فيلماً مخزياً باسم "فتْنة"، جمع فيه كل الموبقات من عنف وقتل وإرهاب وتعصب وبغضاء، وألصقها بالدين الحنيف وبالمسلمين عامة، لكن بالقطع لا الاعتذار ولا حتى سجن فيلدرز، يقطع دابر الحملات الخبيثة على الدين الحنيف ونبيه الكريم، سواء منه أو من أمثاله، وهم كثر في الغرب، وعلينا أن نفكر بطريقة مختلفة عما دأبنا عليه في مواجهة محاولات التشوية المتعمدة المتواصلة لديننا. والبداية من سؤال بديهي: ما الذي نفعله وجعله يصور ديننا على هيئة عدو للإنسانية والحرية والديمقراطية؟

قطعاً سؤالنا يتجاوز فيلدرز، فهو ليس بيت القصيد، هو مجرد نموذج نقيس عليه الحال، لعلنا نسد "الفجوة"، التي يتسللون منها إلى الإسلام والمسلمين بالتشويه والاتهامات. مبدئياً علينا أن نعترف، إذا كنا حقاً جادين في صيانة ديننا من الذين يعتدون عليه، بأن أهل الأرض من غير المسلمين، وهم 75% من سكانها تقريبا، لا يقرأون العربية، ولا يعرفون شيئاً عن الإسلام من مصادره الأساسية، والمتاح فقط أمامهم هو أحوال المسلمين، وسلوكاتهم، وتصرفاتهم اليومية في الحياة.

وأظن أن الأحوال في دول إسلامية كثيرة، بما فيها من اضطرابات وصراعات وعنف واغتيالات وسيارات مفخخة، لا يسر عدواً ولا حبيباً، وإذا كان بعض أطراف الصراع فيها يرفعون شعارات دينية، يبررون بها ما يرتكبونه من عنف، فالرسالة التي يستقبلها العالم عن الدين بالغة الخطورة.

وبالقطع هؤلاء المسلمون ليسوا الوحيدين في العالم، الذين سقطوا في فخ العنف، بل ثمة أمم وأصحاب ديانات أخرى قد يكونون أكثر عنفاً، فلماذا يحتل المسلمون صدارة المشهد المشوه من دون غيرهم؟ بسبب جهل بعض الدعاة، وسوء فهمهم لمقصد شريعتهم وطبيعة العصر، الذي يعيشون فيه،

وقد شاهدت خطيباً من هؤلاء في صلاة جمعة في فيديو منشور على اليوتيوب، يدعو الله أن تنزل اللعنة على أعداء الإسلام، وأن يزلزل الله قلوبهم، ويشتت شملهم، ويخسف بهم الأرض، ويفرقهم، ويأخذهم واحداً واحداً أخذ عزيز مقتدر، وكتبوا بجواره تعليقاً بسيطاً: هذا ما يريدونه لغير المسلمين. لم يسأل هذا الداعية نفسه: هل مثل هذه الخطب مفيد؟ أليس من الأفضل أن يدعو الناس إلى العمل وإتقانه وقول الصدق ومراعاة الآخر وحسن المعاملة.. الخ؟

كما رأيت فيلما أجنبياً قصيراً صنعه مخرج معادٍ، وفيه شيخ يخطب في جمع من المسلمين، ثم يشهر سيفاً من بين طيات ثيابه قائلًا: المسلمون قادمون.. قادمون، وسوف نحكم العالم كما حكمناه من قبل! فأظهر الإسلام مثل قوة استعمارية ساعية إلى احتلال الأرض باسم الدين.

هل هذا الشيخ لا يعرف أن الله خلق البشر شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وأن الله سبحانه لم يقل في أي آية من الآيات، إن الإسلام سيحكم العالم! نعم، المسلمون مكلفون بالدعوة إلى الإسلام، لكن عليهم أن يراعوا اختلاف الزمن ومستوى الحضارة وأدوات العصر، هل زمننا وأدواتنا وحضارتنا تماثل زمن وأدوات وحضارة النبوة والخلفاء الراشدين؟ بالطبع لا.. كل شيء تغير وتطور، وتعددت وسائل النشر من المطبعة إلى الكمبيوتر، ويمكن أن ندعو للإسلام بحسن تصرفاتنا وسلوكاتنا المتحضرة.

وهذا ما حدث مع الملاكم النيوزيلاندي سوني بيل ويليامز، وهو أيضاً أشهر لاعبي الرغبي في بلاده، فقد أسلم بالتصرفات الحضارية لجيرانه المسلمين ولصديق له، وهي عائلة تونسية كانت تعيش في طولون حين كان محترفاً هناك، وقد وصفها بقوله: "عائلة تتألف من زوج وزوجة وخمسة أطفال، جميعهم في شقة من غرفة نوم واحدة، وكانوا يعيشون حياتهم بنفس طريقة النجوم، كرامتهم عالية جداً.

لم أر في حياتي مثلهم"، أما الصديق فهو الملاكم أنطوني موندين، وهو مسلم ويقول عنه: "لم أكن أنتبه كثيرا لسلوكه، الذي جعله ينجح في كل قرار يتخذه، كان ذلك أمراً مثيراً بالنسبة إلي"، أي أن المسلمين يملكون ثروة هائلة من قيم دينهم، لو التزموا بها لكانوا خير دعاة من دون أن يتفوهوا بكلمة واحدة عنه، لكن المسألة ليست بهذه البساطة مع الذين في قلوبهم مرض تجاه الإسلام، أو مع الذين يزرعون أفكاراً خبيثة عنه، مثل الدكتور برنارد لويس، ومن هم على شاكلته، الذين يشوهون المسلمين وهم يرتدون ثياب الباحثين المحايدين العارفين بأمور هؤلاء المسلمين ودقائق دينهم، وهم يصنعون ذلك لأهداف سياسية في الأغلب تتعلق بإسرائيل..

وهؤلاء لا رجاء منهم. وقد فكرت لو أن جماعة أو مؤسسة تدعو فيلدرز إلى دولة مسلمة متطورة، يأتي إليها ويرى الناس على حقيقتهم، ليعرف أن ثمة مسلمين كثيرين يلتزمون بتعاليم دينهم، التي تحض على الرحمة والسلام والحب والتسامح والعدالة والمساواة والعطف، وأنهم يكرهون الحرب، ويعادون الإرهاب بكل أشكاله وأنواعه وأسبابه، والأهم أن نسترد ديننا من الذين خطفوه وخضبوه بالدماء ظلماً وعدواناً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات