لماذا نخشى المُغامرة؟

يُحكى أن مدينة في وسط الصحراء، كان لها نظام غريب في المُلك، ففي كل خمسة أعوام يختار الناس ملكاً منهم، وكان مسموحاً لأي شخص بترشيح نفسه، وبعد انتهاء المدة المحددة، يُنفى الملك خارج أسوار المدينة من دون طعام أو ماء، ولأن أقرب واحة منها تبعد مسيرة أسبوع على الأقل، فإن المنفيون كانوا يموتون في الصحراء خلال أيام، وفي إحدى السنوات، وبعد أن انتهت مدة حكم أحد الملوك، نُفي خارج السوق، وأُعلن عن فتح باب الترشّح للمنصب، إلا أن أحداً لم يتقدم.

وبعد أيام، أراد أحد فقراء المدينة أن يُرشح نفسه، فحاولت زوجته منعه، إلا أنه لم يأبه بكلامها، وتقدم إلى مجلس المدينة، وبما أنه كان المترشح الوحيد فإنه نُصّب ملكاً على الفور.

كانت إحدى ميزات المنصب أن للملك حُكماً مُطلقاً، يفعل ما يشاء من دون أن يُحاسبه أحد. بدأ الملك الجديد، في بداية حكمه، بالخروج بقافلة كبيرة محملة ببضائع كثيرة، ثم يعود بها بعد أسابيع من دون بضائع، وبعد مدة، أخذت القافلة تخرج من دونه، ثم تعود لتحميل بضائع جديدة، وتخرج مرة أخرى. استمر الأمر على هذا الحال لخمس سنوات، وعندما انتهت مدة الحكم جاءت زوجة الملك وأبناؤه يبكون مصير والدهم، فابتسم وأمرهم بالاستعداد للخروج معه، حاولت زوجته أن تَعْدِله عن رأيه فرفض، كررت المحاولة ووعدته أن تخرج معه إن أبقى أبناءهما في المدينة، ولكنه رفض، وأقسم عليهم أن يرافقوه جميعاً.

وفي يوم الخروج، اجتمع الناس عند باب المدينة لتوديع الملك وأسرته، وعندما فُتحت الأبواب تفاجأ الجميع بقافلة تقف خارجها، خرج الملك مبتسماً واتجه إلى قائد القافلة، الذي نزل وحياه مع أسرته، ثم دعاهم للركوب، وعندما انطلقوا سألته زوجته عمّا يجري، فقال لها، إنه قضى تلك الأعوام الخمسة يبني مدينة جديدة في إحدى الواحات، تكون أكثر إنصافاً من مدينته، وقد غامر بقبول منصب الملك، حتى يتمكن من تحقيق حلمه!

ما قيمة الحياة التي نقضيها خلف جدران الخوف، ومكاتب التردد، وأمام شاشات التلفاز والهواتف؟ والأسوأ من ذلك أن نقضيها خلف طاولات المقاهي الفخمة، والقهوة المكررة، التي نحتسيها في مدنٍ مُكررة، نعيد زيارتها كل عام، ونظن أن في ذلك سَفراً ومُغامرة!

ما قيمة الحياة عندما نتردد في البوح بمشاعرنا، وعندما نستحي من الحب؟ إنها حياة منتهية الصلاحية. لماذا نُكابر فنكبت جماح اندهاشنا من الأشياء الجميلة والجديدة، حتى لا يُقال عنا "ولد فقر .. ما شاف خير!". ونستحي من قول أو فعل كثير من السخافات، التي نعلم في قرارة نفوسنا بأننا نحبها؟

انظر إلى كثير من الخليجيين عندما يسافرون، يستقلون شركة الطيران نفسها، يأكلون في المطاعم نفسها، ولا يخرجون عن الشوارع، التي اعتادوا زيارتها كلما سافروا، يبحثون عن المطعم الهندي أو الإيراني أو اللبناني، ولا يجرأون على الأكل في مطاعم محلية في البلد، الذي يزورونه، ما أتعس هؤلاء، يخافون حتى من تغيير مطاعمهم!

يستمعون إلى المواعظ نفسها كل أسبوع، لديهم الأصدقاء نفسهم، منذ أن كانوا في المدرسة، يكررون الأدعية ذاتها، في المسجد ذاته كل يوم، وإذا سمعوا دعاءً جديداً قالوا بدعة.. ليس لأنه كذلك، ولكن لأنهم يخافون الخروج عن المألوف، يعيشون على مبدأ "سَكّن تَسْلَم".

إن العالم الذي لا يدفعنا للذهاب حتى أطرافه عالمٌ بائس وكئيب، والحياة التي لا تدعونا إلى المغامرة لا تستحق أن تُسمى حياة. الفرق بين المُغامر والقابِع مكانه، أن الأول يرى في كل مشكلة فرصة للتعلم، في كل جدار مُتعة للقفز، وفي كل صحراء واحة تستحق المسير إليها، أما الثاني فإنه يرى الفُرَصَ صَدفاً أو حظاً، أو أُعطيات ينتظر الحياة أن تهبه إياها، يرى في كل جدار نهاية، ولا يثق بالواحات، لأنه لم يقرأ عن المغامرات يوماً.

جرب القيام بشيء جديد، خذ طريقاً مختلفاً للعمل، تناول أطعمة غريبة، البس أشياء مُضحكة، اقرأ كتباً بعيدة جداً عن مجال عملك، تعلم كلمات من لغة جديدة، تعرف إلى أناس جدد. باختصار، توقف عن فعل الأشياء نفسها كل يوم، توقف عن استخدام كوب القهوة نفسه في عملك، شاهد قنوات أخرى، مارس رياضة جديدة، قرأتُ يوماً أن الشيء الوحيد الثابت في الحياة أنها تتغير باستمرار، لقد خُلق هذا الكون حتى نستكشفه، ولم توضع به الأسرار عبثاً، بل دعوة للشك والتفكير والترحال والبحث والفضول، أليس من أجل كل ذلك كله وُجِدَت العقول!

نحن لن نعيش إلا مرة واحدة، وعندما نقترب من النهاية فإن كل واحد منا سينظر خلفه ولا شك في ذلك، فكّر الآن ماذا تُريد أن تقول حينها؟ بماذا تريد أن تشعر وأنت تهبط السلالم الأخيرة؟ فالفشل العظيم هو أن ينظر الإنسان خلفه، ويقول "ليتني فعلتُ كذا وكذا". أنا شخصياً أريد أن أبتسم وأقول: "الحمد لله أنني لم أعش حياة عادية".

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات