نشر ثقافة التنمية لدى الشباب العربي

أتيحت لي الفرصة للمشاركة في المؤتمر الدولي الثامن عشر، الذي عقدته كلية الآداب والفنون في جامعة فيلادلفيا في العاصمة الأردنية عمان تحت عنوان "ثقافة التنمية"، من 11 إلى 13 أكتوبر 2013، وشاركت فيه نخبة من الباحثين وفدوا إلى الأردن من عدة جامعات ومراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية وإعلامية عربية متنوعة، وهم ينتمون إلى تخصصات علمية متنوعة في تسع وثلاثين جامعة ومؤسسة علمية، بالإضافة إلى عدد من الباحثين الوافدين من جامعات أجنبية.

تركز إشكالية التنمية على تطوير طاقات الإنسان والموارد الطبيعية معا، وذلك يتطلب قوى منتجة على قدر عال من الكفاءة الشخصية، كما يتطلب الحكم الصالح الذي يؤمن تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة. في هذا السياق، تلعب التنمية الثقافية والبحث العلمي دورا أساسيا، في تحرير الإنسان أولا من قيود القمع والتخلف والفقر.

وتتحقق التنمية الشمولية عبر مقولات عصرية تتلاءم مع طبيعة عصر العولمة، وأبرزها: الحرية، والكفاءة، والديمقراطية، والمساءلة، وبناء مجتمع المعرفة، وتحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي، والانفتاح المدروس على ثقافات عصر العولمة، والتفاعل الإيجابي معها لإقامة التوازن الدقيق بين الأصالة والمعاصرة.

لقد شددت تقارير البنك الدولي على إعادة هيكلة النمو وجعله أكثر شمولا، بحيث تحتل التنمية البشرية المكانة الأولى، واعتماد أسس علمية لبناء اقتصاد جديد يستهلك طاقة أقل، ويعزز روح المشاركة والمساواة بين الناس.

في المقابل، أفرط معظم الأنظمة غير الديمقراطية في الدول العربية، في التركيز على البنى التحتية أكثر من التركيز على الطاقات البشرية الإبداعية، فأحدث خللا كبيرا في التنمية البشرية في مجالات العمل، والتعليم، والصحة، ومكافحة الفساد، وأضيفت إليها تحديات جديدة بعد انفجار الأزمة المالية العالمية عام 2008، وانعكاساتها السلبية على غالبية الدول العربية. فبات البحث عن العمل والغذاء، ومحاربة الفقر والأمية والبطالة والمخدرات، هاجسا كبيرا لدى جميع الشعوب العربية.

وأدى غياب الديمقراطية ومصادرة الحريات الفردية والجماعية، إلى فشل أو ارتباك مسيرة التنمية العربية المستدامة، وإلى أزمات حادة متلاحقة كانت من الأسباب المباشرة للانتفاضات العربية.

قدمت أبحاث المؤتمر باللغتين العربية والإنجليزية، وناقشت موضوع "ثقافة التنمية" من زوايا علمية ومعرفية متعددة. وتوزعت الموضوعات على تسع جلسات علمية، وخصصت جلسة طلابية حضرها باحثون مشاركون في المؤتمر وجمهور متنوع من طلبة جامعة فيلادلفيا ومن المتخصصين والمهتمين والمثقفين والإعلاميين الأردنيين، وبصورة خاصة من الأوساط الشبابية. وتميزت تلك الجلسة بأنها كانت حافلة بوجهات نظر شبابية، طرحت مشكلة ثقافة التنمية من خلال أمثلة واقعية يعيشها الطلاب الأكاديميون والباحثون الشباب، من الذكور والإناث. وقدمت نتائج عملية هامة تساهم في تحليل بنية المجتمع وعلاقته بالدولة العربية التي يحضنها، وعلى المستوى العربي العام.

وركز بعض المداخلات الرصينة على تراجع الاهتمام الجدي بدراسة المجتمعات العربية بصورة شمولية، منذ هزيمة يونيو 1967. ونجح التوجيه الأميركي - الأوروبي، بدعم إقليمي وبتواطؤ علني من مؤسسات سياسية وثقافية وإعلامية عربية فاعلة، في تهميش الثقافة العربية داخل المجتمعات العربية، فتراجع التعليم باللغة العربية، وتراجع معه الإنتاج الثقافي.

خاصة الإبداعي والفني منه، المنشور باللغة العربية، وطغت اللهجات المحلية على اللغة العربية الفصحى، وزاد الاهتمام باللغات واللهجات غير العربية لدى بعض الجماعات المحلية، في الكتابة والمحادثة، ووسائل الإعلام. على جانب آخر، قدمت الأوراق والمداخلات التي رافقت الجلسات العلمية، مادة علمية غنية تستحق النشر. فهي تساعد على نشر وتعميم مفهوم التنمية الشمولية، خاصة البشرية والاقتصادية المستدامة، على امتداد العالم العربي، وعدم حصرها في الجوانب المادية والتقنية.

كما أن نشر أبحاث المؤتمر في كتاب خاص يساهم في تعزيز ثقافة العمل التطوعي لدى الشباب، وتشجيعهم على الانضمام إلى مؤسسات المجتمع المدني، باعتبارها شريكا أساسيا في عملية التنمية المستدامة. هذا بالإضافة إلى الاهتمام الجدي بالطاقات العربية المبدعة، وتشجيعها على البحث العلمي وتعميم ثقافة التنمية.

ونظرا لدور وسائل الإعلام التي تلعب دور بارزا على مختلف الصعد، محليا وعلى المستوى الكوني، بات من الضروري توثيق صلات متينة بين الإعلام ومراكز الأبحاث والدراسات العلمية العربية، والاستفادة من الخبرات العالمية لدى الدول المتطورة التي نجحت في بناء مجتمع المعرفة، والإنسان الحر والواعي، وتنبهت إلى دوره في نشر ثقافة التنمية البشرية المستدامة.

ونبه الباحثون المشاركون إلى ضرورة تشجيع الأبحاث والدراسات التطبيقية في مجالات التنمية المتعددة، ودعوة الوزارات ذات الصلة بالتنمية البشرية المستدامة، كوزارات التربية، ووزارات التعليم العالي، ووزارات الشباب، والإعلام وغيرها، إلى تضمين مفاهيم التنمية الشاملة في المناهج التربوية على مختلف مستوياتها، والاهتمام بتنمية ثقافة الشباب، وقضايا المرأة بوصفها نصف المجتمع المنتج، وتنمية ثقافة الطفل.

وذلك يتطلب تشجيع الأبحاث الخاصة بتنمية الثقافة الأكاديمية في الجامعات ومراكز الأبحاث العربية، وجعلها موضوعا مركزيا في إعداد رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه في مختلف الكليات والمعاهد، ونشر المتميز منها لتعميم الفائدة، عبر مؤسسات عربية تعنى بتنمية الإنسان وبناء مجتمع المعرفة العربي، الذي يشكل العمود الفقري في أي مشروع نهضوي عربي ناجح. وذلك يتطلب تأسيس مركز عربي مستقل للتنمية المستدامة، لكي يتابع عن كثب مسارها والمشكلات التي تواجهها كل دولة عربية، وعلى مستوى التنمية الشمولية في العالم العربي.

ختاما، يشهد العالم العربي مرحلة جديدة تميزت بحرية التعبير، والدعوة إلى ممارسة الديمقراطية السليمة بأساليب لم تكن معروفة سابقا لدى الجماهير العربية. ودعا المتنورون العرب إلى تنمية الثقافة الشمولية والنوعية، التي تؤسس لبناء حداثة سليمة لا تقود إلى تبعية للخارج.

وفتحت الانتفاضات الشبابية قنوات واسعة للتعبير عن الرأي في الدول المنتفضة، وأصبحت المساءلة القانونية شعارا ثابتا لمحاربة المسؤولين الفاسدين.

واللافت للنظر أن جامعة فيلادلفيا، هي الجامعة العربية الوحيدة التي تابعت عقد هذه المؤتمرات الحوارية بصورة منتظمة ودون انقطاع. وبعد نجاح مؤتمرها الثامن عشر لهذا العام، قررت إدارتها تخصيص موضوعات حيوية للسنوات الثلاث القادمة، تتناول فيها على التوالي: قضايا المرأة، والشباب، والطفولة: الواقع والمأمول. وليس من شك أن الاستمرار في عقد هذه المؤتمرات العلمية الرصينة، يساهم في نشر ثقافة التنمية على المستويين النظري والتطبيقي، وإشراك الشباب في بناء غد عربي أفضل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات