معركة التواصل الثقافي عالمياً

ت + ت - الحجم الطبيعي

آه من النور، ذلك القاتل لخلوة العشاق، وتسترهم من عيون العزال، ألم تكن أم كلثوم تقول :

فإذا النور نذير طالع

وإذا الفجر مطل كالحريق

وإذا الدنيا كما نعرفها

وإذا الأحباب كل في طريق

مبينة الخوف من النور، وحب الظلام لأنه ستار يحميهم من المتطفلين وربما الحساد، وهروباً من رقابة الأقرباء والأهل، ومن هنا جاءت تسمية بداية النهضة بعصر النور، والانعتاق من جبروت الكنيسة وسلطان كهنتها إبان العصور الوسطى بعصر التنوير، والتي اضطهد فيها المفكرون والمثقفون بسبب رؤيتهم للعالم الجديد.

وهي البداية نحو عصر جديد وثقافة جديدة ودفع منظومة قيمية جديدة للبروز للسطح والتخلص من الطبقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، والتي تحتاج إلى عدد من السنوات قد تكون طويلة. ومرد ذلك أن هذه الطبقات قد شكلت حولها طبقات أخرى ولها مصالح من استمرار ما هو قائم ومحاربة كل ما هو جديد أو يدعو إلى تغيير الوضع المستقر حسب رأي أصحاب المصالح.

إن دراسة التاريخ الفرنسي لمفيدة جدا الآن، وخاصة إبان عهد لويس الرابع عشر 1639-1715 والذي ازدهرت فيه فرنسا وأصبحت منارة للعلم والفن والقوة بمعناه الشمولي وخاصة بعد موت الكاردينال ريشيلير 1661 مما حرره من سيطرة رئيس الوزراء حين ذاك، وأقصد لويس الرابع عشر. واستعان بأفضل العقول والمفكرين مثل موليير وراسيين وبوسان وباسكال.

إن تحالف السلطة السياسية مع النخبة سواءً الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها من النخب هو الدليل على السير نحو المستقبل والتقدم والتخطيط السليم، ولا يوجد إنسان في هذا العصر الذي تقدمت وتطورت فيه العلوم، يعلم كل شيء أو يلم بكافة المعلومات، وفي كل المجالات، حيث إن التطور الهائل في القرن العشرين جعل ذلك من الصعب إن لم يكن مستحيلاً، وانتهى زمن الإنسان ذو المعرفة المتعددة، وبالتالي فإن القوة والجبروت هي التي تحكم العالم حتى الآن.

إن الإنسان عبقري في مجال محدود من مجالات المعرفة إلا أنه لا يملك المعرفة في العديد من المجالات، فهل هو جاهل أو أمي أم أنه مذهل في مجال تخصصه المحدود جدا، ولا يدعي غير ذلك؟.

وربما يذكرنا هذا بأشخاص معروفين لمن يتابع الحياة الثقافية في الدولة فهم يفتون بالقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى في الأمور الدينية، وربما يتأثر بهم بعض الناس وتكون النتيجة كارثة حقيقية يدفع ثمنها أفراد من المجتمع سواء من الذكور أو الإناث وربما حتى الأطفال وهم ينامون بعمق من دون الشعور بالجريمة التي ارتكبوها بفتاواهم وتحليلاتهم الخاطئة وأحيانا المدمرة.

إن التفاعل الثقافي بين الأمم والشعوب المختلفة هو الذي يؤدي إلى ردم الفجوة فيما بينهم ويؤدي بالتالي إلى التلاحم والتواصل ويمكن حتى أن نرفع هنا شعارا يقول " يا ثقافات العالم اتحدي " وافتحي باب الحوار حتى نصل إلى عالم يسوده السلام والأمن والاستقرار، ولنتحد ضد من يدعو إلى صراع الثقافات، فهو صراع غير منطقي، فالثقافات تنشأ لتتناقض وتتلاقح وتتداخل وتستفيد من بعضها بعض..

ولا تنشأ الثقافات لتتقاتل وتتصارع فيما بينها، لأن صراع وقتال الثقافات يعني رفض الحياة مع الآخرين، وبالتالي هلاك كل الأطراف في نهاية ذلك الصراع المرير، وهي مقولة تتكرر من قبل من تبنوا صراع الحضارات في مطلع الألفية الجديدة وترجموه إلى حروب وقتال ودمار وخراب، مما يتعارض في الأساس مع مفهوم مصطلح الحضارة، والذي يعني الانتقال من التخلف والجهل إلى العلم والنور..

ونتذكر هنا خطاب وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في دولة الإمارات الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان حينما أكد في منتدى القادة التابع للمؤتمر العام لليونسكو في باريس أن "هذا المنتدى يذكرنا بالتحديات التي يواجهها العالم اقتصادياً وبيئياً وعلى مستوى قضايا المياه والغذاء والطاقة، والفقر، والتطرف والإرهاب والصراعات الدولية بكافة صورها".

إنها دعوة للعمل بروح جماعية من أجل حياة كريمة للإنسان في كافة أرجاء المعمورة، إنها دعوة للتعايش بين كافة شعوب وثقافات وحضارات العالم، من أجل حياة أفضل للجميع بلا استثناء، وقد آن الأوان حتى لا نقع في دوامة الندم مستقبلاً ونغرق وسط الرمال المتحركة من جديد.. وتعود سيرة هابيل وقابيل من جديد.

طباعة Email