أفكار صغيرة بحاجة إلى أموال كبيرة

تحتل شركة "مايكروسوفت" اليوم موقعاً ريادياً كواحدة من الشركات العملاقة للبرمجيات. ولكن إذا عدنا بضع سنوات إلى الوراء فسنجد أنها بدأت من مجرد فكرة لأحد رواد الأعمال.

ما يميز تلك الفكرة أنها كانت عظيمة. وما يميز ذلك الرجل من رواد الأعمال أنه كان من المبتكرين!

ولم تكن "مايكروسوفت" لتصبح، كما هي الآن، شركة متعددة الجنسيات لو لم يكن تمويلها قد تم من مصادر استثمار مختلفة كانت متوفرة لتمويل الأفكار والشركات الناشئة.

ولو لم يكن بيل غيتس قادراً على تأمين الموارد المالية المطلوبة، لاختفت أفكار "مايكروسوفت" الرائعة من حضارتنا ولما شهدنا قط تلك الثورة التكنولوجية التي أوصلت شركة "مايكروسوفت" إلى ما وصلت إليه.

ربما لا يكون هذا هو واقع الحال في منطقتنا سواء العربية أو الخليجية، حيث يحمل العديد من رجال الأعمال الشباب أفكاراً رائعة، ولكنهم يظلون مكتوفي الأيدي بانتظار الحصول على تمويل... ومع مرور الوقت، تذهب هذه الأفكار أدراج الرياح.

أفكار للتمويل؟ شيءٌ جديد في قاموس أسواقنا المالية. فالبنوك والمستثمرون يرغبون في تمويل ما يمكن أن يروه رأي العين. شيء صَلب يحسونه ويلمسونه. ربما كانوا محقين، فلا شيء في الواقع، أصلب من الخرسانة والحديد! وهذا بالفعل ما يلهث وراءه اليوم المستثمرون والبنوك.

لقد انتظروا ثلاث سنوات لتحسن الوضع الاقتصادي للخرسانة والحديد، واليوم بدأوا بإعداد مخططاتهم ومشاريعهم. والهدف هو دعم الاقتصاد الوطني والمساهمة في نمو البلاد. ولكن من يجرؤ على الانتظار إلى أن يتحسن وضع الأفكار حتى يتمكن من شرائها أو دعمها أو تمويلها؟ والواقع يقول إن وضعها لم يتحسن منذ مئات السنين.

إن طبيعة تمويل الأفكار الجديدة والمشروعات الناشئة يشوبها في الواقع كثير من المخاطرة ويكتنفها الغموض، وهو وضعٌ لا تحب أن تتعامل معه البنوك أو المستثمرون الخليجيون.

ربما يكون لهذا الوضع وجودٌ في الدول المبتكرة، ولكن هذه الدول ولكي تتغلب عليه فقد ابتكرت مصادر حديثة لتمويل الأفكار والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مثل مفهوم رأس المال المغامر (Venture Capital) والأسهم الخاصة (Private Equity).

 هذه المصادر تتمثل في مستثمرين ومؤسسات مالية استطاعت أن تُراكم خبرة في طريقة التعامل مع المخاطرة والغموض، وبدعم وحماية قانونية وتشريعية من الدولة. أما السر الذي مكّن هذه الدول من خلق هذه المصادر الحديثة للتمويل فهو التحفيز والحماية.

وكما هو معروف فإن رأس المال جبان، ولهذا فقد سارعت الدول المبتكرة إلى تطوير قوانين وتشريعات تحمي هذا النوع من رأس المال، المستعد لتحمّل المخاطرة أكثر من غيره من المصادر التمويلية.

فعلى سبيل المثال، يؤثر غياب قانون الإفلاس في بعض دولنا الخليجية سلباً في جذب أو خلق مثل هذا النوع من رأس المال العامل. كما أن مفهوم رأس المال المغامر والأسهم الخاصة كمصادر للتمويل لا يزال مفهوماً جديداً في مجتمعنا الخليجي، ولا تزال ردود الفعل تجاهه متباينة. ولا يشعر العديد من المستثمرين الخليجيين والعرب التقليديين بالارتياح تجاه هذه المفاهيم الجديدة من التمويل. يُضاف إلى ذلك أن العديد من الشركات ليست راغبة في قبول تدخل خارجي في إدارة الشركة، وهو أمرٌ لا مفر منه في حالة قبول استثمار خاص أو مشروع استثماري برأس مال مغامر.

هذا النوع من ردة الفعل وضع قيوداً على مدى توافر المستثمرين الدوليين للاستثمار في الشركات المحلية، لأنهم لا يأنسون في هذه الشركات القدرة على موازنة مصالحهم مع مصالح المستثمرين الدوليين والتجاوب معها. من الصعب أن نجد شركات متعددة الجنسيات تعقد صفقات مع شركات صغيرة، مثل تلك التي تمت عام 2009 بين الشركة الأمير كية "ياهو" والشركة الأردنية "مكتوب دوت كوم"، وهي بوابة على شبكة الانترنت. وقد وجدت "ياهو" مصلحتها في هذه الشركة الناشئة، والتي هي في الوقت نفسه مبتكرة ومتنامية.

في دول مجلس التعاون يتم تمويل المشاريع المبتدئة عن طريق البنوك التجارية أو المبادرات الحكومية. ولكن هذه المصادر تمول مشاريع وليست أفكاراً. وكما قلت في البداية فإن طبيعة رأس المال الممول للأفكار تختلف تماماً عن التمويل العادي. ومع ذلك فإن المصادر المتاحة حالياً للتمويل لها محدودياتها وسلبياتها حتى في تمويل المشروعات المبتدئة، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: تقدم البنوك التجارية الجزء الأكبر من التمويل في شكل قروض. وعادة ما تكون هذه القروض قصيرة المدى، بأسعار فائدة مرتفعة ومصحوبة بقدر كبير من الروتين، ولا مفر لأصحاب الأعمال من المرور به. إن البنوك لا تتعامل مع الشركات الصغيرة كشركاء استراتيجيين بل كمقترضين، وبذلك لا تعود البنوك مهتمة بأوضاعهم وظروفهم ما داموا مواظبين على دفع مستحقاتهم. ولكن ما أن يتخلف المقترض عن السداد، حتى تسارع البنوك لإنهاء العلاقة معه.

ثانياً: لقد خلقت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي مؤسسات داعمة تهدف إلى مساعدة أصحاب المشاريع وكذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة على النمو.

إن المبادرات الحكومية مثل "هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة" في المملكة العربية السعودية، و"صندوق خليفة" في أبوظبي، و"مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة" في دبي، و"بداية" في قطر، هذه المبادرات تضطلع بمهام ممتازة لتدريب وتطوير أصحاب المشاريع وتمويل الشركات الوليدة. وبما أن الخدمات التي تقدمها هذه المبادرات لا تزال محصورة في عدد قليل من الشركات الناشئة، يصبح من العسير الحكم على دور هذه المبادرات وفعاليتها. وحتى لو كانت المبادرات فعالة، فهذه المنظمات لا تملك رأس المال المطلوب لتمويل الأفكار المبتكرة وتطويرها.

وعلى الرغم من أن رجال الأعمال وأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي لا ينقصهم الحماس والتفاني تجاه ترويج أفكارهم والدفع بها إلى السوق، إلا أنهم بحاجة إلى الدعم المعنوي قبل المادي من قبل مصادر التمويل. وفي الوقت نفسه فإن مصادر التمويل بحاجة لاستيعاب حقيقة قائمة، مفادها أن العالم ينتقل من اقتصاد قائم على المادة إلى آخر قائم على المعرفة والأفكار. والفشل في دعم هذا الانتقال، يعني أنها قد تعمل على حفر قبرها بيدها.

ختاماً اسمحوا لي بالتأكيد، على أنه في كل مرة نخفق في تمويل فكرة، فذلك يعني تفويت فرصة محتملة لنمو الاقتصاد، وربما إجهاض ثورة مثل تلك التي فجرتها شركة "مايكروسوفت"!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات