ارتهان وتبعية

لم تستطع الشعوب العربية الخلاص المطلق من الارتهان للدول الكبرى أو الدول المؤثرة، طوال الألف عام الماضية.

فقد ارتهنت الأمة العربية للقوى الصليبية الغازية، بشكل مباشر أو غير مباشر منذ نهاية القرن الحادي عشر، ولم يعد بإمكانها طوال هذه الفترة اتخاذ قرار مصيري، باستقلال تام ودون تأثر بالقوى الأخرى غير العربية، سواء منها الغازية أم المستعمرة أم المحتلة أم الدول المجاورة والمؤثرة.

فقد بقي الارتهان للفرنجة الصليبيين طوال قرنين، ولم يكن بإمكان بعض الإمارات العربية التي كانت قائمة (وكانت بلاد العرب إمارات متعددة لا تحكمها سلطة مركزية)، أن تتخذ قراراً مستقلاً دون الأخذ بعين الاعتبار، مباشرة أو مداورة، برأي ومصالح الإمارات الصليبية القائمة، أو على الأقل الاهتمام بطبيعة الصراع معها وما يقتضيه ذلك من وضع سياسات أو تطبيق ممارسات.

وبالتالي فإن التأثير الصليبي كان قائماً عند رسم سياسة هذه الإمارات، حتى أن بعض أبناء صلاح الدين الأيوبي أو أقربائه الذين حكموا بعده، كانوا يتهادنون مع الصليبيين أو يتحالفون معهم بعضهم ضد البعض الآخر، وسهل أحدهم استمرار احتلال القدس من قبل الصليبيين تنفيذاً لهذا التناقض أو التحالف، وتعمقت الهيمنة الصليبية في الواقع لدى معظم سلطات الأمراء في الإمارات المجاورة لهم.

وفي الخلاصة أصبحت هذه الإمارات مرتهنة لحكام الإمارات الصليبية وزعمائها وقادتها وسياساتها، حتى وإن لم تكن الإمارات الصليبية تحتلها أو تهيمن عليها هيمنة مباشرة.

احتل الأتراك البلدان العربية في بداية القرن السادس عشر ودام احتلالهم أربعة قرون، سواء كان هذا الاحتلال مباشراً، كما هو الحال في بلاد الشام، أم على شكل فرض الهيمنة وتقرير مصير هذه البلدان، كما هو الحال في مصر وشمال إفريقيا، وفي الحالات كلها كانت الهيمنة العثمانية قائمة فعلاً، وكان غالبية البلدان العربية متأثرة بها، بل وترزح تحت كلكلها، وبالتالي كانت مرتهنة، بدرجة أو أخرى، للسلطة العثمانية.

في القرنين السادس عشر والسابع عشر قامت صراعات عنيفة بين الفرس والأتراك، وعلى التحديد بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية، وكان المحور الأساس لهذه الصراعات هو السعي للهيمنة على البلدان العربية وعلى بلاد المسلمين.

وكان كل من البلدان العربية إما مرتهناً لإيران الصفوية أو للسلطنة العثمانية، وبالتالي استمر الارتهان العربي للقوى الخارجية، الذي بدأ في نهاية القرن الحادي عشر مع مجيء الصليبيين، واستمر حتى نهاية الألفية الثانية أو أقل قليلاً.

فقد وصل الاستعمار الأوروبي إلى البلدان العربية في القرن الثامن عشر وتقاسم هذه البلدان، فوقعت الجزائر في القرن التاسع عشر ثم المغرب ثم تونس في القرن العشرين، وكذلك سوريا ولبنان بعد الحرب العالمية الأولى، تحت الهيمنة والاستعمار الفرنسي، بينما خضعت مصر والسودان وفلسطين والعراق للاستعمار البريطاني..

أي أن معظم البلدان العربية أصبح منذ نهاية الحرب العالمية الأولى تحت الهيمنة الأوروبية، باسم الانتداب أحياناً والحماية والاستعمار أحياناً أخرى، واستمر هذا الارتهان حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت البلدان العربية تنال استقلالها النسبي والرسمي تباعاً، دون أن ينتهي الارتهان أو تنتهي الهيمنة كلياً.

استمرت الدول العربية بعد الاستقلال تحت سطوة الارتهان، إما لمستعمرها السابق أو للإمبريالية الأميركية القادمة للمنطقة العربية بقوة طاغية، حيث طرحت شعار ملء الفراغ في الشرق الأوسط، وهو شعار الرئيس أيزنهاور الشهير، وكان يقصد الفراغ الذي تركه انسحاب الاستعمارين الفرنسي والبريطاني من بلدان الشرق العربي.

ومنذ ذلك الوقت بدأت الهيمنة الأميركية تتنامى على دول المنطقة وأخذت تتحول إلى ارتهان، ولم يكن هناك أي بلد عربي تقريباً خارج الارتهان أو الهيمنة، حتى كأن الارتهان والهيمنة هما قدر العرب في تاريخهم الوسيط والحديث.

وهكذا نلاحظ أنه منذ قدوم الصليبيين حتى انتهاء الحرب الباردة، كان العرب مرتهنين للغير بدرجات متفاوتة، ولا يستطيع أحد الزعم أن هذا الارتهان طارئ أو مرتبط بفئة سياسية واجتماعية داخلية بعينها، ذلك أنه نتاج لظروف موضوعية كانت سائدة طوال ما يقارب الألف عام، وعلى رأسها تمزق البلدان العربية وتخلفها، وعدم تبنيها في القرنين الأخيرين مفاهيم النهضة والحداثة ومعايير الدولة الحديثة.

هل هذا الارتهان قدر العرب أم أن لديهم ميلاً فطرياً ليكونوا تحت الهيمنة والارتهان؟ أم أن كل هذا الحديث المعاصر عن الارتهان هو مجرد أقاويل أو تهم أو نزعة لجلد الذات، أو اتهامات تكيلها التيارات السياسية للحكام أو يكيلها بعضهم للبعض الآخر؟

كان العرب خلال الألف عام الماضية (وما زالوا) ممزقين، ولم يستطيعوا التوحد أو توحيد بلادهم، أو الاتفاق على إقامة دولة موحدة حديثة لها سياساتها وبرامجها واستقلالها واسترداد حق شعبها في تقرير مصيرها، وبسبب ذلك كان من البديهي أن تتعمق التجزئة والصراعات الداخلية وضعف الدول العربية، وأن يحتاج كل حاكم مهما كان شأنه، إلى قوة خارجية يحتمي بها أو تعينه على ما يجاوره من دويلات شقيقة أو عدوة، أو من مطامع قوى أخرى خارج حدود دولته، حتى أصبح طلب الهيمنة جزءاً جوهرياً من السياسة العربية ومنهجاً يكاد يكون مشروعاً في أيامنا، أيام العولمة ونهاية التاريخ ونهاية الأيديولوجيا وتجاهل حقوق الشعوب، لصالح الأقوى والأقدر.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات