مجرم العصر

دخل عالم الشهرة من الأبواب الخلفية، وفي سنوات قليلة انتشر صيته وأصبح على لسان الصغير قبل الكبير. تصدر اسمه عناوين الصحف، وحجز مقعدا مهما في مجالس بيوتنا. أصبح كبش الفداء وتم توجيه التهم إليه جزافا، متناسين أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. إنه مجرم العصر "الكولسترول".

المضحك المبكي في الأمر أن الكولسترول لا يجيد السباحة، وبالتالي لا يستطيع الإبحار في مجرى الدم ولا الوصول إلى أي عضو، فمن أين انهالت عليه التهم بأنه سبب رئيس لأمراض القلب والشرايين والجلطات؟!

الكولسترول عبارة عن مركب عضوي مهم جدا، لديه وظائف كثيرة في جسم الإنسان, لكن أهم اثنتين هما: تصنيع الهرمونات، وتكوين جدران خلايا الجسم. وظائف حيوية مهمة جدا لديمومة البدن والكفاءة التشغيلية لأعضائه. ولتحقيق هذه المهمات يقوم جسم الإنسان بإفراز جزء من الكولسترول، والجزء الباقي يأتي عن طريق الأكل.

لنرجع إلى موضوع السباحة.. المشكلة الرئيسة في جزيئات الكولسترول (سواء كان مصدرها من الداخل أو الخارج)، هي عدم قدرتها على الإبحار في مجرى الدم، لأن الدهن لا يذوب في الماء. لكن خالق هذا الجسم ورازقه، وضع جميع الأسرار والحلول. تم توفير نوعين من السفن أو الناقلات، لتحريك ونقل جزيئات الكولسترول من وإلى أجزاء الجسم.. وهنا بيت القصيد. النوع الأول من السفن، هو الناقلات عالية الكثافة أو المتعارف عليها بـ"الناقلات الحميدة", والنوع الثاني هو الناقلات منخفضة الكثافة أو "الناقلات الخبيثة".

لتقريب الصورة، دعنا ننتقل إلى مكان تجمع الكولسترول. بعد امتصاصها من الأمعاء, تتجمع كرات الكولسترول عند محطة مجرى الدم في انتظار الناقل. في السيناريو الأول، إذا كانت نسبة الناقلات الحميدة كبيرة، فإن معظم جزيئات الكولسترول تركب فيها، أما في السيناريو الثاني فتقوم الناقلات الخبيثة، نتيجة لكثرتها، بحمل معظم جزيئات الكولسترول.

تتحرك الناقلات الحميدة (السناريو الأول) في مجرى الدم باتجاه الكبد، وعند الوصول لمحطة الكبد تقوم بتفريغ حمولتها من الكولسترول، وبذلك تساعد الجسم في الإمداد بما يحتاجه لتصنيع الهرمونات وجدران الخلايا. لكن المشكلة تكمن في السيناريو الثاني، حيث تتحرك الناقلات الخبيثة بسرعة وعنجهية إلى جدران شرايين القلب والدماغ وغيرها من الأعضاء، وهناك وبلا مبالاة، ترمي بحمولتها من جزيئات الكولسترول.

يحتار الكولسترول، فهذا ليس مكانه الطبيعي, فيلتصق على الجدار الداخلي للشريان. ويوما بعد يوم تتكاثر نسبة الكولسترول المترسب على الجدار، إلى أن يغلق مجرى الدم في الشريان وتحدث الجلطة (موت العضو خلف منطقة الانسداد لعدم وصول الدم إليه)، سواء في القلب أو الدماغ أو القدم. إذن، المجرم ليس الكولسترول بل الناقلات الخبيثة. ومن أجل أن نكسب القضية ونبرئ الكولسترول، علينا زيادة نسبة الناقلات الحميدة وتقليل نسبة الناقلات الخبيثة. لكن كيف؟

بالنسبة للناقلات الحميدة, يقوم الجسم بإفراز كمية بسيطة بنفسه، والباقي يأتي من الأكل. الدهون غير المشبعة تعتبر المصدر الأساسي للناقلات الحميدة في الأكل، وهذه بدورها موجودة بكثرة في زيت الزيتون. ومن المصادر الأخرى المكسرات غير المملحة, والسمك بأنواعه, والألياف الموجودة في الفواكه مثل التفاح والكمثرى.

وفي المقابل فإن مصدر الناقلات الخبيثة أيضا داخلي وخارجي، فنسبة تأتي من إفراز الجسم والباقي يأتي من الخارج عن طريق الأكلات المحتوية على الدهون المشبعة، مثل السمن الحيواني, واللحوم الحمراء, وزيت جوز الهند.

وفي السنوات الأخيرة انتشر استخدام نوع من الدهون، تحت مسمى "التحويلية أو الترانز" في الكثير من المطاعم، وخاصة لتحضير الوجبات السريعة، لسهولة الطهي فيها والقدرة على إعادة استخدامها. وقد أجمع معظم الدراسات على قدرة هذا النوع من الدهون في زيادة نسبة الناقلات الخبيثة بشكل كبير، وتقليل نسبة الناقلات الحميدة.

بمعرفة مصادر الأكل لكل من الناقلات الحميدة والخبيثة، نستطيع ترجيح كفة الحميدة. ولا ننسى دور الرياضة بشتى أنواعها، في زيادة نسبة الناقلات الحميدة لـ9% في بعض الدراسات. أيضا التخلص من الوزن الزائد (كل 3 كيلوغرامات مفقودة تقابلها زيادة ملليغرام من الناقلات الحميدة).

لكن هناك حالات ليست قليلة، يقوم الفرد فيها بجميع الأساليب لخفض الناقلات الخبيثة وزيادة الحميدة دون جدوى، والسبب هو دور الوراثة في وجود أشخاص لديهم إفراز داخلي عالٍ من الناقلات الخبيثة، وبالتالي قابلية أكثر للجلطات. هنا يأتي دور المكملات الغذائية, حيث أظهرت الأبحاث العلمية وجود دور إيجابي لمكملات "أوميغا-3" وغيرها في تنظيم نسب الناقلات عند هذه الفئة.

وأخيرا، بينت دراسات حديثة دور الضغط النفسي على الفرد في زيادة نسبة الناقلات الخبيثة.. ويا لكثرة الأمراض والأسقام نتيجة لهذا الضغط، الذي أصبح من سمات عصرنا الحاضر!

إذن، من برأيكم يستحق لقب "مجرم العصر"؟ الكولسترول؟ الوجبات السريعة؟ الوراثة؟ الضغط النفسي؟ الناقلات الخبيثة؟ ويستمر البحث...

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات