تضارب المصالح ونيران الشرق الأوسط

عبر عضو مجلس الشيوخ الجمهوري ليندسي غراهام عن الأمر أوضح تعبير، ففي غمار حديثه عن التحديات التي سيواجهها وزير الدفاع الأميركي المقبل، حذر غراهام، وهو عضو جمهوري في المجلس عن ساوث كارولينا، من أنه سوف يواجه «عالماً من نار».

هذا صحيح حقاً، والشرق الوسط جنباً إلى جنب مع العالم الإسلامي الأوسع نطاقاً، هما التجلي الكامل لذلك. فمتى رأينا من قبل مثل هذا الاضطراب واسع النطاق وهذا الدمار والموت الذي نشهده الآن؟ إننا نسمع في كل يوم عن العنف المتواصل في سوريا، باكستان، مالي، العراق، أفغانستان، ليبيا، الصومال، نيجيريا ومناطق أخرى. وقد تم الآن تجاهل الحقيقة القائلة إنه حتى وقت قريب كان طغاة يحكمون هذه الدول، وقد ابتهج العالم، وابتهجت أنا معه، عندما فقد الكثير منهم السلطة في غمار الربيع العربي.

ولكن، على الرغم من صعوبة الإقرار بذلك اليوم، فإن صدام حسين وحسني مبارك ومعمر القذافي وزين العابدين بن علي وآخرين، قد نفذوا سياسات اتسمت بالفعالية، وإن كانت قاسية غالباً، في إبقاء الانقسامات العرقية والدينية والاجتماعية تحت السيطرة.

دعونا نلقي نظرة على العراق الآن، فخلال الأيام الأخيرة كان عشرات الألوف من العراقيين يقومون بتظاهرات هائلة ضد حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وبعض الصحافيين والسياسيين يطلقون على هذا اسم «الربيع العربي العراقي».

ولكن هذا ليس الموقف على الإطلاق، فالمتظاهرون هم من السنة وحكومة المالكي شيعية، وهذا هو خط الانقسام العرقي الرئيسي في العراق، وهو خط وجد منذ ولدت الدولة هناك. وقد انفجرت أخيراً أربع سيارات في بغداد، ما أسفر عن مصرع 21 شخصاً على الأقل وجرح 125 آخرين. ويعرب المالكي عن شكواه، وربما كان محقاً في ذلك، من أن المتظاهرين يشعرون بالضيق لا لشيء إلا لأنهم لم يعودوا يسيطرون على الحكومة.

وماذا عن مصر التي غدت الآن ساحة لاحتجاجات وتظاهرات عارمة كل يوم تقريباً؟ إننا هنا أيضاً نجد أمامنا انقساما دينياً ــ اجتماعياً. وحينما كانت حكومة مبارك تمسك بمقاليد السلطة، كانت جماعة الإخوان المسلمين تحظى بالتأييد في صفوف الجماهير، من خلال قيامها بتقديم الغذاء والخدمات الاجتماعية. والآن، فإن البلاد حافلة بالصراع بين مؤيدي الإخوان، والعلمانيين من سكان المناطق الحضرية.

وفي تونس، حيث بدأ الربيع العربي هناك في 2010، تتراجع البلاد إلى حالة من الفوضى بعد مصرع شكري بلعيد، وهو سياسي معارض تم اغتياله بإطلاق النار عليه عندما كان يهم بمغادرة منزله، وقد كان في مقدمة منتقدي الحكومة التونسية التي يقودها المنتمون إلى التيار الديني.

 وبادر عشرات الألوف من التونسيين بالنزول إلى الشوارع، وكشفوا النقاب عن خط الانقسام السياسي ــ الاجتماعي في تونس. كانت تونس قبل اندلاع الثورة منذ نحو عامين، معقلاً للنزعة العلمانية العربية التي دعمها الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، والآن فإن الإسلاميين يهيمنون على الحكومة. وقد ألقى زعيم حزب النهضة اللوم على «النموذج الفرنسي للنزعة العلمانية»، في ما يتعلق باندلاع العنف الجديد.

ومن المعروف أن تونس كانت مستعمرة فرنسية حتى منتصف القرن العشرين تقريباً.

وقد أعطى غياب الاستقرار هذا في العديد من الدول، مجالاً لانتشار نزعة التشدد وكأنها الخلايا السرطانية الخبيثة. فلننظر إلى ما حدث في شمالي مالي، حيث طردت القوات الفرنسية المتشددين، لا لشيء إلا لتجد أنهم قد تركوا وراءهم حرب عصابات بين المتشددين والعلمانيين من أبناء مالي.

وفي سوريا فإن أعضاء حركة النصرة، وهي جماعة متشددة، يتدفقون إلى المناطق التي يسيطر عليها الثوار السوريون، ويقومون بالفعل بذبح الثوار العلمانيين.

وبالطبع، من الذي يمكنه أن ينسى مصرع السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين في بنغازي في ليبيا خلال الخريف الماضي؟ أو الهجوم الذي وقع في الجزائر، والذي ترك 38 رهينة قتلى؟

كانت الجزائر قد خاضت حرباً دموية ضد المتشددين منذ عشرين عاماً، وأبقت على حكومة قمعية منذ ذلك الحين، ولكن من الواضح أن الانقسامات الدينية ــ العرقية لم تختف تماماً.

ما الذي نخرج به من هذا كله؟

إن هذه البلاد جميعها كان يقودها رجال قاموا بصورة نشطة، بقمع الانقسامات الاجتماعية والدينية في بلادهم، ولكن بعد غزو العراق وثورات الربيع العربي، فإن هذه الانقسامات قد طفت إلى السطح بكل قوتها، وقمعها على امتداد كل هذه السنوات لم يؤد إلى إطفاء جذوتها.

والمشكلة الآن هي أنه في كل دولة، هناك قائد يمثل جانباً أو آخر قد سيطر على مقاليد السلطة، حيث نجد من يمثل الشيعة في العراق، والإخوان المسلمين في مصر، والمنتمين إلى التيار الديني في تونس وليبيا.

هل هناك حل؟ ليس هناك حل يمكن للغرب أن يفرضه، ولكن ربما يدرك أبناء هذه البلاد سريعاً أنهم بحاجة إلى حكومة تكنوقراط، حكومة تركز جهودها على التنمية الاقتصادية والمساواة الاجتماعية، ولا تحاول خدمة مصالح إحدى الجماعات الطائفية أو الدينية، على حساب الجماعات الأخرى.

وفي مواجهة الحكومات التي تحظى بتفويض شعبي عريض النطاق، فإن المتشددين سيجدون أن من المتعذر عليه اجتذاب الأنصار، وغياب الاستقرار هو صديق المتشددين.

وإلى أن يأتي ذلك ليوم، فإن هذا الجزء من العالم مقدر له أن يبقى «على نار»، وأن تتعرض احتياجات شعوبه للتجاهل التام، فيما القادة الذين يخدمون مصالحه، يتقاتلون لإبقاء الطائفة التي ينتمون إليها في السلطة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات