صعود نجم التمويل الإسلامي

مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بشأن إضافة قطاع الاقتصاد الإسلامي كقطاع جديد إلى اقتصاد الإمارة يعتبر قراءة متقدمة ومستقبلية للخطوات المطلوبة للخروج من نفق الأزمة المالية العالمية و إيجاد الحلول التمويلية للمشاريع الضخمة التي تحتاجها المنطقة في السنوات القادمة.

وعالمياً، تنمو الأصول المصرفية الإسلامية بسرعة أكبر من نمو الأصول المصرفية التقليدية ومن المتوقع أن تصل الأصول الإسلامية إلى 1,1 تريليون دولار أمريكي (4,04 تريليونات درهم إماراتي) في 2012 محققة بذلك نسبة نمو تقدر بـ 33% عن عام 2010.

وكذلك فإن وجود سيولة ضخمة لدى المصارف الإسلامية بدأ يجذب اهتمام كبار اللاعبين في سوق التمويل العالمي وخصوصا عند وجود شروط تسعير وشروط تجارية مماثلة لتلك المستخدمة في قطاع التمويل التقليدي، ونتيجة لذلك فقد رأينا في الفترة الماضية الكثير من المؤسسات المالية التقليدية التي بدأت تبدي رغبة في معرفة المزيد عن هذا القطاع ومنها أيضا التي بدأت فعليا في الدخول لهذا السوق كجي إي كابيتال (GE Capital) ونومورا (Nomura) وجولدمان ساكس (Goldman Sachs).

ولايمكننا كذلك تجاهل وجود عجز في السيولة في الأسواق الأمريكية والأوروبية بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وأزمة منطقة اليورو والتي أدت بطبيعة الحال إلى سعي المؤسسات المالية الكبرى في الولايات المتحدة وأوربا إلى البحث عن البدائل التمويلية من مصادر ومناطق أخرى في العالم لم تكن في دائرة اهتماماتها سابقا كالشرق الأوسط وشمال شرق آسيا.

ومن ناحية أخرى تكمن أهمية مبادرة سموه في أنها ستساعد على تحفيز هذا القطاع ليلبي الإحتياجات التمويلية للمنطقة نظرا لوجود نمو متسارع في عدد المشاريع الكبرى في مجال الخدمات و الصناعة والبنية التحتية في منطقة الشرق الأوسط وذلك لوجود فوائض نفطية كبيرة أو لحاجة بعض الدول التي أصابتها الاضطرابات السياسية لإعادة بناء المرافق الحيوية التي تعطلت نتيجة للإضطرابات، لذا فإنها تعتبر فرصة تاريخية للمصارف الإسلامية لتقديم الحلول التمويلية المبتكرة ولعب دور أساسي في نمو وتطور المنطقة.

وعلى الرغم من حاجة المنطقة لتمويل المشاريع التنموية الكبرى، فإن التحدي يكمن في قدرة المصارف الإسلامية على تلبية هذه الحاجة أو بعبارة أخرى هل تملك المصارف الإسلامية رأس المال اللازم لتمويل ما تتطلبه هذه المشروعات الكبرى منفردة دون أن تقوم في ترتيب تمويلي "متعدد المصادر" تدخل فيها البنوك التقليدية مع الإسلامية في التمويل؟

وهذه الحاجة والتعطش من قبل الأسواق المالية العالمية للسيولة و للتمويل الإسلامي على وجه الخصوص جعلت الكثير من الحكومات والبنوك المركزية الغربية والتي كانت تنظر للتمويل الإسلامي بنظرة الريبة والشك والدونية إلى تبني تعديلات قانونية وتنظيمية لتلائم التمويل الإسلامي وخصوصيته.

ومن الملاحظ قانونيا بأن التعديلات التنظيمية والرقابية التي تبنتها هذه البنوك المركزية يهدف بشكل أساسي لتشجيع نمو هذا القطاع من خلال ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في التعامل القانوني والتنظيمي بين التمويل التقليدي والإسلامي، ومن الصعوبات التي تواجهها هذه البنوك المركزية هو عدم وجود جهة موحدة تقوم بوضع القواعد والأحكام المتعلقة بهذا القطاع.

ولكن هناك بعض الجهود المتفرقة من بعض المؤسسات في توحيد المعايير ووضع قواعد للتمويل الإسلامي لتساعد على فهم كيفية هيكلة المنتجات التمويلية الإسلامية والإطار الشرعي والحوكمي لهذه المنتجات، ومن المؤسسات التي يجب ذكرها هنا هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والاسلامية (AAOIFI) ومجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB).

ولكن لازالت الحاجة إلى الكثير من الجهود. وعلى الرغم مما قلنا عن الحاجة إلى السيولة عالميا ولكن الأهم هو قدرة التمويل الإسلامي على لعب دور في إعادة تشكيل المراكز المالية العالمية في مرحلة ما بعد الأزمة المالية.

حيث أن الجهات التنظيمية والرقابية للقطاع المالي أصبحت تنظر إلى التمويل الإسلامي وقواعده الصارمة كنموذج يمكن أن يحتذى في تنظيم القطاع المالي وعلى سبيل المثال يمكن الأخذ بهذه القواعد لتعديل بعض الأطر والمعايير المصرفية للبنوك التقليدية لتلافي المخاطر التي لها تأثير على الاقتصاد ككل ولا تنحصر آثارها في قطاع معين أو عدة قطاعات فقط أو ما يسمى بالمخاطر النظمية.

ومن الناحية العملية، فالتطبيق الإلزامي لمعايير بازل (3) البنكية سيساهم في إعطاء التمويل الإسلامي دفعة قوية ونوعية عالميا، حيث أن هذه المعايير سترفع الحد الأدنى لنسبة رأس المال الاحتياطي مع العلم أن بازل(3) أعطت مهلة لغاية 2019 لتتمكن المصارف على مستوى العالم من تصويب أوضاعها.

ومن المحتمل أن تتسبب تطبيق معايير بازل (3) والتي تختص بكفاية رأس المال والسيولة لدى المصارف في جعل التمويل التجاري التقليدي باهظاً بسبب اشتراط زيادة البنوك من احتياطي رأس المال لديها ولكن المصارف الإسلامية على عكس التقليدية فهي تلتزم دائما باشتراطات أكثر صرامة من بازل(3) فيما يتعلق برأس المال .

ولذلك فإنه من غير المحتمل أن تتكبد تكاليف إضافية من شأنها أن تؤثر على قدرة تلك المصارف على المنافسة في مجال التمويل التجاري عالميا. والطلب على منتجات التمويل التجاري تعكس حقيقة رغبة العالم في تبني نهج جديد في التمويل يساعد على نموالإقتصاد ويساعد على خلق عمليات تجارية ذات قيمة اقتصادية وتجارية حقيقية للمجتمع وتكون بعيدة عن المضاربات المسعورة أو بيع وشراء الديون والمسماة بالتوريق والتي ترفضه المصارف الإسلامية.

وقد أدى بيع وشراء الديون العقارية في الولايات المتحدة والعالم إلى انهيار العديد من المصارف العالمية فلذا فقد أصبح هذا النموذج في التمويل عبئا على هذه الدول، وعلى النقيض فإن المصارف الإسلامية تقوم على مبدأ الإستثمار بالربح والخسارة مما يساعد على نمو الإقتصاد والعمليات التجارية الحقيقية ونشوء اقتصاد مبني على شراكة حقيقية بين المصرف و التاجر.

إن التوقعات المستقبلية لنمو التمويل الإسلامي تدعو للتفاؤل وصعود نجمه سيستمر، ومبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ،حفظه الله، ستساعد على نمو هذا القطاع أكثر وستخلق فرصة حقيقية للتمويل الإسلامي ليلعب دورا إقليميا وعالميا وتظل دبي حيث يصنع المستقبل ويبدأ.

 

محامٍ - خبير في الحوكمة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات