دروس في القيادة (2)

نشرنا أمس الجزء الأول من مقالة الدكتور منصور العور، وهنا الجزء الثاني والأخير.

ماذا كانت النتيجة؟

بعد مرور عامين تقريباً من التدريب البدني الشاق مصحوباً بالاسترداد التدريجي للثقة بالنفس، شاركت الإمارات في بطولة العالم للقفز الحر، وكانت المفاجأة المدوية للجميع؛ لقد اقتنص شبابنا المركز الأول عن جدارة، وأصبحوا أبطال العالم في القفز الحر..

نعم لقد فزنا بالمركز الأول، ومن ورائنا يأتي على استحياء العديد من الدول التي لها تاريخ حافل بالإنجازات في هذه الرياضة، ومن بينها انجلترا وفرنسا وألمانيا! لقد أثبت أبناء الوطن أن التحدي يمثل لديهم صفة أصيلة وطبعاً موروثاً، وأنهم قادرون على ارتقاء أعلى قمم التميز التي يقصر عن بلوغها الآخرون. عند هذا الحد من حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، تملكني إحساس شديد بالفخر، وشعور متعاظم بالانتماء، وهتفت في داخلي "صدقت يا صاحب السمو، وبَيّضَ الله وجهك في الدنيا والآخرة".

في اليوم التالي وأنا أُوثق ما قاله صاحب السمو، تذكرت عبارة لسموه في لقاء سابق قال فيها "إن القدرة على تحقيق المستحيل والرغبة في تجاوز الصعاب جينات أساسية للـDNA عند أبنائنا"، وهنا وردت على ذهني خاطرة؛ هل يمكن أن يكون الـDNA تعبيراً عن موقف دبي الوطني أو ما يمكن أن نطلق عليه Dubai National Attitude! فكروا معي، وفي انتظار آرائكم.

تحويل موطن الضعف إلى مصدر قوة:

لا شك أن لكل مدينة في العالم العديد من المزايا الطبيعية التي وهبها الله إياها وعُرِفت بها بين سائر المدن، وهي تمثل لها مصادر القوة التي تُحاول أن تستثمرها، وتعمل على التركيز عليها للاستفادة منها في تعظيم مردودها من المال والأعمال. ولا يخلو الأمر في كثير من الأحيان من وجود بعض مواطن الضعف الطبيعية، مثل موقع المدينة أو جغرافية المكان، أو الظروف المناخية الصعبة التي لا دخل لبشر فيها. وعادة ما يتعامل القادة مع هذا الموقف باعتباره أمراً واقعاً لا مناص منه، وذلك من خلال تجاهل مواطن الضعف وكأنها غير موجودة، مع الاهتمام بمصادر القوة، والعمل على إظهارها والترويج لها لتحقيق الفائدة المرجوة من وراء استغلالها.

ولعل هذا الموقف من قبل القادة، يُعد سلوكاً متميزاً بالذكاء وحسن التصرف، في ظل الأوضاع القائمة التي يتعذر تغييرها.

والواقع أن هناك نمطاً آخر من القادة له موقف مختلف عما عرضنا له الآن، فهو لا يركز فقط على استغلال مصادر القوة ويقف مكتوف اليدين أمام ما قد يراه البعض مواطن ضعف طبيعية لا قبل لهم بمواجهتها، ولكن يقوم بتحويل مواطن الضعف إلى مصادر قوة، وهذا في رأيي ما يمكن أن نطلق عليه القيادة الإبداعية Creative Leadership، ومن خلال هذا السلوك الإبداعي يستطيع القائد أن يحول المشكلة إلى فرصة حقيقية لها مردودها الإيجابي بما يعود بالنفع على المدينة بأكملها.

وفي هذا الإطار يحكي سيدي صاحب السمو موقفاً واجهه منذ عدة سنوات في الواقع العملي، استطاع من خلاله أن يحول المشكلة المزمنة إلى فرصة مثمرة.

يقول صاحب السمو "منذ عدة سنوات، وفي أحد أيام صيف دبي القائظ كنت أسير على شاطئ الجميرا، ولفت انتباهي وجود سائحين أجنبيين يستلقيان على رمال الشاطئ بلباس البحر تحت لهيب الشمس المحرقة. فاقتربت منهما وسألتهما عن سبب استلقائهما على هذا النحو دون أن يستظلا من الشمس، فقررا أنهما يستمتعان لبعض الوقت بأشعة الشمس القوية التي يفتقدانها في بلدهما ألمانيا".

ويستطرد صاحب السمو قائلاً "من هنا أشرقت في ذهني فكرة مهرجان صيف دبي، وقررت أن أحول صيف دبي الحارق إلى موسم جذب سياحي تصبح فيه دبي قبلة الجميع.

وبالفعل تحولت دبي من مدينة شبه مهجورة في الصيف إلى ملتقى عالمي يحفل بالعديد من الأنشطة والفعاليات، ويموج بحركة الزوار من مختلف بقاع العالم الذين جاؤوا لزيارة مهرجان صيف دبي، سواء للسياحة أو للتجارة للاستفادة من الرواج والأعمال المتنامية تحت مظلة المهرجان".

ويواصل صاحب السمو حديثه قائلاً "لم تمض فترة طويلة على انعقاد الدورة الأولى لمهرجان دبي، حتى شاهدنا في الأعوام التالية مهرجانات للصيف في جميع مدن الخليج تقريباً، والتي كان أهلها ينظرون إلى فصل الصيف من كل عام على أنه فترة ركود وخمول لا سبيل إلى التعامل معها إلا بالسفر إلى الخارج ومغادرة الديار حتى بداية فصل الخريف".

بعد حديث صاحب السمو تساءلت بيني وبين نفسي؛ كم منا وقع بصره على عدد من الأجانب يستلقون على رمال الشاطئ تحت أشعة الشمس الحارقة، دون أن يحاول إعمال العقل في كيفية الاستفادة من هذا الوضع لصالح دبي؟! بل وأكثر من ذلك، كلنا واجهنا في بعض السنوات الماضية ـ قبل انعقاد مهرجان صيف دبي ـ ظروفاً اضطررنا معها لقضاء الصيف داخل دبي وعدم السفر إلى الخارج، ولم يخطر ببال أحدنا فكرة الاستفادة من صيف دبي وتحويل هذه المشكلة من موطن ضعف إلى مصدر قوة.

في رأيي أنه لا يمكن تفسير ذلك إلا من خلال الإجابة على هذا السؤال؛ كيف تنظر إلى الأشياء؟

إن كنت تنظر إليها بعينك فلن تدرك منها إلا المظهر الخارجي، وهذا هو حال السواد الأعظم من الناس الذين لا يستوقفهم شيء بعد إدراك العين.

وإن كنت تنظر إليها بعينك وعقلك فسوف تدرك المظهر وينتقل فكرك إلى الجوهر، وإلى طبيعة الشيء وما ينطوي عليه من أوصاف. وهذا هو حال ثلة من الخلق، وهم العلماء. وأما إذا كنت تنظر إلى الأشياء بعينك وعقلك وقلبك فسوف تدرك المظهر، وينتقل فكرك إلى الجوهر، ثم ينفذ قلبك إلى حقيقة الشيء وأثره وكيف تسخره لنفع العباد، وهذا هو حال القلة الذين ينظرون بقلوبهم من أهل الإبداع.

لقد نظر صاحب السمو بعينه وعقله وقلبه فوفقه الله إلى الإبداع.. ألم أقل لكم إنها القيادة الإبداعية؟! وفي هذا يقول رب العالمين {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} (الحج: 46).

وإلى لقاء جديد مع درس جديد من دروس في القيادة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات