مدينة القدس والواقع الديمغرافي الراهن

ت + ت - الحجم الطبيعي

عملت سلطات الاحتلال طوال العقود الأربعة الماضية من الاحتلال الكامل لمدينة القدس، على صناعة الوقائع على الأرض واستباق كل شيء، عبر إحداث التغيير الديمغرافي للانتقال بالمدينة الموحدة بجزأيها الشرقي والغربي، إلى مدينة يهودية صافية تقريباً، بحيث يصبح الوجود العربي الإسلامي والمسيحي فيها محدوداً، ودون أي تأثير مهم على صعيد الطابع العام للمدينة، وعلى صعيد بنيتها الديمغرافية.

فمثلاً في الفترة ما بين 1967 و2010 سحبت سلطات الاحتلال أكثر من 14 ألف بطاقة هوية من المقدسيين، شملت أكثر من 20% من الأسر المقدسية. وفي الفترة ما بين 2006 و2008 تم سحب 50% من مجموع ما سحب من بطاقات حتى 2010.

وفور الاحتلال الكامل للمدينة، عملت السلطات المحتلة على توسيع حدودها الإدارية إلى نطاق ما بات يعرف بـ«متروبلين» القدس الكبرى، التي أمست مساحتها تساوي ربع مساحة الضفة الغربية تقريباً، والبالغة نحو 5888 كيلومتراً مربعاً، ولتصبح مدينة القدس من أكبر مدن العالم على الإطلاق من حيث المساحة الإدارية.

وفي هذا يكمن المعنى العميق للسلوك الإسرائيلي الصهيوني تجاه المدينة ومستقبلها، ومستقبل ما يسمى بعملية التسوية التي دخلت إلى ثلاجة منذ سنوات طويلة، وقد اصطدمت بجدار سميك من التعنت الصهيوني.

وخلال 46 عاماً من الاحتلال الكامل للمدينة بجزأيها الشرقي والغربي، عملت سلطات الاحتلال على إحداث أوسع عملية تهويد للمدينة، فبنت فيها 11 حياً استيطانياً، كل منها يعتبر مدينة.

وسيطرت على 40% من العقارات في البلدة القديمة، وعلى مبان عديدة في الأحياء العربية ووطنت المستوطنين فيها، وبنت جداراً يقطع صلاتها عن الضفة الغربية وبأحياء وقرى محيطة، وأهملت الأحياء العربية تماماً.

وكان الهدف من هذه الإجراءات، هو تيئيس سكانها الفلسطينيين، وتقليص نسبتهم إلى 25% من سكان الشقين معاً. لكن هذه الناحية في مخطط التهويد فشلت، وفقاً لإحصاءات وزارة داخلية الاحتلال.

والتقديرات للمستقبل تؤكد استمرار هذا الفشل، حيث إن نسبة الفلسطينيين ترتفع عن المعدل العام كلما صغر سنهم.

فالشباب في جيل 18 عاماً، يتساوى تقريباً عددهم: 9502 من اليهود، مقابل 9292 من العرب، أي أن الفلسطينيين منهم يشكلون نسبة 49%، وهو مؤشر هام ويحمل أكثر من دلالة. وفي جيل 16 عاماً هناك 9462 من اليهود، و9064 من العرب.

ومع ذلك، وعند الحديث عن الوجود البشري والسكاني، وعلى الرغم من مشاريع الاستيطان والتهويد الضخمة، والإجراءات القمعية لترحيل المواطنين العرب عن القدس، فإن سلطات الاحتلال لم تفلح ولم تنجح، كما أرادت، في تقليص نسبة السكان من المواطنين العرب الفلسطينيين، من سكان القدس أصحاب البلد الأصليين.

وإذا قيض لوتيرة النمو السكاني الطبيعي (الولادات ـ الوفيات) أن تبقى فيها على حالها اليوم، فإن نسبة المواطنين العرب ستزيد أكثر وستقترب من النصف. ففي إحصاءات جديدة نشرتها وزارة داخلية الاحتلال قبل فترة قصيرة، جاء أن عدد سكان القدس المحتلة اليوم، بشقيها الشرقي والغربي، بلغ 933 ألفاً و113 نسمة، بينهم 320 ألف فلسطيني.

وأنه، حسب وتيرة النمو في السنة الماضية (حيث زاد عدد سكانها بـ81891 نسمة)، سيصبح تقريباً مليون نسمة، وستظل نسبة العرب فيهم 34%.

وعليه، فقد أدت تلك العمليات التهويدية الإجلائية الاستعمارية، لابتلاع المزيد من أراضي المدينة وما حولها من أبنائها المقدسيين الذين لم يبق في أيديهم سوى 11% تقريباً من مساحة القدس الشرقية.

فقد نهش غول الاستيطان المدينة على محيطها وفي داخلها، وتحديداً في الأحياء القديمة التي بدت منذ سنوات خلت هدفاً رئيساً لعمليات القضم والتهويد، حيث يتم التحايل على أصحاب تلك المنازل بمصادرتها مباشرة، أو شرائها منهم إما بالقوة أو بالمصادرة مع التعويض المحدود، تحت عنوان إنشاء حدائق أو محميات طبيعية أو غير ذلك من العناوين، ومنها منزل مفتي فلسطين وبلاد الشام المرحوم الحاج محمد أمين الحسيني، وما يحمله من دلالات ورمزيات، والذي صودر وتم تحويله إلى فندق صهيوني (فندق شيبرد).

ولكم أن تتصوروا أن مشروع إقامة ما يسمى بـ«متحف التسامح» (لاحظوا؛ متحف التسامح!)، سيتم وفق المخطط الإسرائيلي، على أجساد الأموات والشهداء في مقبرة «مأمن الله» الإسلامية التاريخية في القدس، والتي تضم بين ثناياها رفات عشرات الشهداء من الصحابة، ومنهم الصحابي عبادة بن الصامت.

كما كانت «اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء» في القدس المحتلة، أودعت قبل أيام قليلة، مخططاً هيكلياً لمركز يهودي في ساحة البراق من الجهة الجنوبية للمسجد الأقصى المبارك، بالإضافة إلى مخطط آخر لبناء مركز يهودي في الجهة الغربية لساحة البراق، مقابل باب المغاربة.

وفي المحصلة، باتت المدينة المقدسة تعيش لحظات حاسمة وعصيبة، في وقت لم يعد فيه الصمت ممكناً، ولم يعد فيه أيضاً الكلام والجمل الإنشائية كافية لنصرة المدينة وإنقاذها وإنقاذ أهلها من أخطبوط التهويد الزاحف، ولم تعد البيانات الاستنكارية وبيانات التنديد والشجب ذات مفعول أو تأثير في مسار ما يجري في المدينة المحتلة، وما يجري في حق الأقصى وعموم الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية.

فالشعب الفلسطيني لم يعد يطيق أصوات الشجب أو الإدانة، بل يريد أن يسمع وأن يرى إجراءات واستراتيجيات على الأرض.

فالمشكلة على الدوام أن الخطاب السياسي العربي والإسلامي تجاه القدس، منذ الاحتلال الكامل للمدينة عام 1967، كان وما زال مشبعاً إلى حدود التخمة بالجمل الإنشائية، ومليئاً بالمناشدات الأخلاقية والوجدانية لعموم الهيئات الدولية من أجل نصرة القدس وشعبها ومواطنيها، في وقت لم تعد فيه تلك المناشدات تُسمن أو تغني من جوع، وفي وقت لم يعد فيه العالم يريد أن يسمع المناشدات والنداءات أو يلتزم بالمواقف الأخلاقية، خصوصاً بعض الدول المتحكمة في القرار الأممي، التي لا تريد دوماً أن تسمع غير لغة المصالح.

فهي لا تأبه لميزان الأخلاق أو لعدالة القضايا المطروحة، بمقدار ما تنشد نحو خيارات لها علاقة بمصالحها واستراتيجياتها في المنطقة العربية وعموم الشرق الأوسط، ومنها فلسطين وقضيتها.

 

طباعة Email