دروس في القيادة (1)

في مجلس سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، الذي نُدعى إليه من وقت لآخر، لاحظت أن صاحب السمو عندما يتحدث إلى الحضور، سواء عن مشروعات مستقبلية، أو قضايا آنية، أو حتى عن أحداث طواها الزمن وأصبحت في عداد التاريخ، فهناك دائما رسالة أو رسائل معينة يقوم سموه بتوجيهها إلى سامعيه، وعادة ما تحتوي هذه الرسالة أو الرسائل على عدة معان تنطوي على العديد من الدروس، التي تتناول موضوعات حيوية تتعلق بالعمل القيادي، وأداء الإدارة العليا، وما يمكن أن يرتبه ذلك من آثار إيجابية على فعالية أداء المرؤوسين، بما ينعكس في نهاية الأمر على فعالية أداء الدوائر والمؤسسات والهيئات التابعة للحكومة، أو تلك العاملة في إطار القطاع الخاص.

وقد استلفت نظري أن دائرة الاستفادة من هذه الدروس سوف تظل محصورة داخل نطاق ضيق لا يتجاوز عدد الحضور في مجلس صاحب السمو، ووجدت أنه من الأهمية بمكان أن تتسع دائرة الاستفادة من هذه الدروس لتشمل مختلف القيادات الوطنية الأخرى، العليا والوسطى والمباشرة، التي لم تُتَحْ لها فرصة الحضور والمشاركة.

وانطلاقاً من رغبتي الشديدة في تعميق الاستفادة من هذه الدروس القيمة، وتمديد أثرها إلى نطاق أوسع وأشمل ليعُمَّ خيرها الجميع، هداني ربي إلى ضرورة العمل على توثيقها، ثم السعي لنشرها في ما يتيسر لي من وسائل الإعلام، حتى يكون الاطلاع عليها متاحاً أمام الكافة، إثراءً للتجربة الوطنية ونشراً للفكر القيادي المتميز. ولعل الفائدة تتعاظم لدى نفر ممن غاب عن مجلس صاحب السمو، أكثر من بعض من حضر، مصداقاً لقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ربَ مُبَلَّغٍ أوعى من سامع، وها أنا بحمد الله وفضل منه أفعل، وأسأله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.

 بث الثقة وقهر المستحيل:

يعلق صاحب السمو أهمية كبرى على قدرة القائد على بث الثقة في نفوس الشباب وكل من يحيط به، ويؤكد على أن اكتساب الثقة في النفس يولد طاقة هائلة لدى الإنسان تدفعه إلى الإجادة في العمل، وتحقيق التميز في الأداء، وتعينه على الانطلاق من حضيض السلبية والاستسلام، إلى قمة التفوق وأقصى درجات الامتياز. ويسوق صاحب السمو مثلاً على ذلك حدث على أرض الواقع منذ سنوات عديدة، عندما كان سموه وزيراً للدفاع.

ويحكي سيدي صاحب السمو قائلاً أردنا أن نؤسس فريقاً من المظليين تتوفر لديه القدرة على المنافسة في رياضة القفز الحر. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف اخترنا مجموعة من الشباب الراغبين في ممارسة هذه الرياضة، واستقدمنا لهم ثلاثة مدربين عالميين من المشهود لهم بالكفاءة والتميز في الأداء، ولهم سجل حافل في حصد العديد من الجوائز والفوز ببطولة الكثير من المنافسات التي تجري في هذا المجال. وفوق ذلك فهم ينتمون إلى ثلاث دول لها باع طويل في ميدان القفز الحر، هي انجلترا وفرنسا وألمانيا.

ويستطرد صاحب السمو وبعد تدريب مجموعة الشباب المختارة على ممارسة هذه الرياضة لفترة طويلة، وبعد انتهاء المدة المقررة لتخريج الدفعة الأولى لفريق القفز الحر، وقعت حادثة مؤسفة حيث أصيب أول أعضاء الفريق عند هبوطه بالمظلة، وترتب على ذلك أن لقي حتفه وتوفي إلى رحمة الله تعالى.

وفي إطار جهودي لمعرفة تفصيلات ما حدث والوقوف على حقيقة الأمر، والتعرف على أسباب ما وقع بغية القضاء على ما اكتنفه من سلبيات أدت إلى وقوع تلك الحادثة المأساوية، اجتمعت بالمدربين الثلاثة لأستمع إليهم وأتعرف على رؤيتهم في هذا الصدد.

وقد قالوا كلاماً كثيراً يتعلق بتفصيلات ما حدث، وتحليل الأسباب التي أدت إلى وقوع تلك الحادثة المفجعة، ثم انتهوا إلى نتيجة صادمة مفادها أن أبناءنا لا قبل لهم برياضة القفز الحر، ولا تتوفر لديهم القدرة على ممارستها، ومن الأفضل لنا صرف النظر عن هذه الرياضة تماماً، ونسيان الأمر برمته، وتوفير ما نتكبده من جهد ووقت ومال، وفوق ذلك كله أرواح الشباب.

ورغم ضيقي الشديد بهذا المنطق السقيم وتلك التوصيات المحبطة التي توافقوا عليها، لم اقتنع بها ولم تصادف لدي أي قبول، بل ورفضتها جملة وتفصيلاً، وقررت أن يكون لي شأن آخر مع أبنائنا أعضاء فريق القفز الحر.

ويواصل صاحب السمو حديثه قائلاً: بدأنا مرحلة جديدة في تدريب الشباب مع نفس المدربين. وفي نفس الوقت الذي يجري فيه تنفيذ المهام التدريبية والعملية رحت بنفسي أشرف عليهم، وركزت اهتمامي على الجانب النفسي لديهم، من خلال بث الثقة في قدرتهم على الأداء والاستيعاب، فضلاً عن شحذ روحهم المعنوية، وإذكاء روح التحدي والإصرار على المنافسة، وإشعال رغبتهم في تحقيق التميز والوصول إلى أعلى درجات التفوق. وبمرور الوقت كنت ألمح لديهم تقدماً ملحوظاً في الاستعداد البدني والنفسي، مع تعاظم الثقة بالنفس، وتنامي العزم على تحقيق المستحيل.

كانت ثقتي بالله فوق كل شيء، ثم ثقتي في قدرة هؤلاء الشباب على تحقيق الإنجاز مهما كانت التحديات. وقد وفقنى الله في أن أُعيد إليهم الثقة بالنفس والقدرة على الفعل، بدلاً من الإحساس بالضعف والهوان وقلة الحيلة.

غدا الجزء الثاني من المقالة..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات