"استحقاق أيلول".. ملاحظات لا بد منها

ت + ت - الحجم الطبيعي

تشير المعلومات شبه المؤكدة، إلى أن الولايات المتحدة ستستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، حال تقدّم الفلسطينيون بطلب للأمم المتحدة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، فالطلب الفلسطيني سيتحوّل إلى الجمعية العامة في دورتها السادسة والستين، والمقرر أن ترأسها دولة قطر، وسيحظى هناك بموافقة الأغلبية والمقدرة بـ130 دولة من أصل 193 الأعضاء في الأمم المتحدة، لكن الموافقة النهائية تتطلب رفع الطلب من الجمعية العامة إلى مجلس الأمن للبت النهائي فيه، في الدورة المقرر أن ترأسها لبنان. إلا أن الجهود الأمريكية تسير نحو تخفيض عدد الدول التي يمكن لها أن توافق على المطلب الفلسطيني، وهو ما أشار إليه الرئيس محمود عباس بقوله "نحن لدينا 130 دولة، ونحتاج في وقت لاحق لثلثي الأصوات وسنؤمنها، لكن ربما تمسكهم أميركا فرداً فرداً ليصبحوا فقط 22 دولة".

فالجمعية العامة لا تستطيع قبول الدولة الفلسطينية كعضو كامل العضوية دون موافقة مجلس الأمن، رغم أن القرار 377 الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر 1950 المتعلِّق بالحرب الكورية، والمُسمّى "معاً من أجل السلام"، ينصّ على إمكانية تجاوز قرارات مجلس الأمن "حين لا تدعم هذه القرارات السلام الدولي"، ورغم سريان هذا القرار على القضية الفلسطينية قانوناً، إلاّ أنه من الناحية السياسية لا يمكن تطبيقه، لعدة أسباب تقف وراءها سطوة حضور الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن، إضافة لميوعة الموقف الأوروبي وتردد كل من بريطانيا وفرنسا العضوين الدائمين في مجلس الأمن.

 ونشير في هذا الصدد إلى الواقعة التالية حين استعمل الاتحاد السوفيتي السابق حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لإفشال قرار الحرب على كوريا الشمالية، فذهبت واشنطن إلى الجمعية العامة واستصدرت قرارا بضرب كوريا وسمي PEACE FOR UNITED. ويذكر في هذا الجانب، أن طلب السلطة في رام الله كان مقرراً له أن يتم التقدم به إلى الأمين العام للأمم المتحدة في النصف الثاني من شهر يوليو (تموز) المنصرم، ثم عدل عن ذلك، وقال صائب عريقات بأن الطلب سيقدم مطلع شهر آب (أغسطس)، فيما أعلن بعد ذلك أنه لا يوجد موعد محدد للتقدم بطلب العضوية، فعاد رياض المالكي ليعلن أن تقديم الطلب سيتم في أيلول(سبتمبر) 2011.

إن التردد في موعد تقديم الطلب، يعود في جانب منه إلى أن السلطة الفلسطينية في رام الله، وعلى ضوء اتصالاتها الدولية خصوصاً مع الجانب الأمريكي، تعيش حالة من الحذر وعدم اليقين بخصوص إمكانية نجاح جهدها المطروح بهذا الاتجاه، فعملت على المناورة لتثمير الاقتراح المعلن من قبلها، في سياق محاولة العودة إلى طاولة المفاوضات من باب جديد، وبوضع مختلف عما كان سائداً في الفترة التي سبقت إيقاف عملية التفاوض المباشر، إثر الاصطدام المتتالي للعملية السياسية بسياسات الاستيطان ورفض حكومة نتنياهو حتى للتجميد المؤقت لعمليات التهويد.

ومع هذا، فهناك معلومات شبه مؤكدة تميل للقول بأن السلطة الفلسطينية في رام الله، قد تسعى إلى تأجيل موعد تقديمها طلب الحصول على العضوية للأمم المتحدة، خوفاً من عدم قدرتها على تحمل تبعات أي قرار أميركي بقطع المعونات المالية وتعرضها لحصار مالي جديد.

إضافة لذلك، فان الموقف الأوروبي ما زال غير واضح المعالم تماماً، رغم معسول الكلام الذي يطلقه بعض الوزراء والمسؤولين الأوروبيين حين التعليق على المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة، وهو ما يرجح احتمال تراجع السلطة الفلسطينية في رام الله عن تقديم طلبها إياه. إن تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مسألة قبول دولة فلسطين في عضويتها، يعتبر مجرد تصويت رمزي ليست له قوة القانون، لكنه يحمل بعداً سياسياً هاماً.

وخطوة تقديم طلب العضوية، هو جهد سياسي هام ولا يمكن التقليل من شأنه أو تقزيمه، رغم كل الانتقادات التي قد تقال بهذا الشأن، ومنها أن التقديم كان يفترض أن يتم بتوافق وطني فلسطيني تام، وبعد إنجاز خطوات هامة على صعيد تطبيق اتفاق المصالحة.

ومع أهمية هذا العمل من الجانب السياسي والدبلوماسي، ومع الملاحظات المختلفة كما أسلفنا، إلا أن استحقاق أيلول (سبتمبر) القادم، لا يؤسِّس عملياً أية التزامات أو وعود دولية واضحة ومحددة، ولا يقوم على متغيرات حقيقية على الأرض تجعل هذا الاستحقاق مؤكد الحدوث، بقدر ما يقوم على إرادة رغبوية، وبقدر ما هو ورقة ضغط لتحسين موقف المفاوض الفلسطيني، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خيار التسوية وما ارتبط بها.

إن الذهاب إلى مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتزاع اعتراف بدولة فلسطينية، اعتماداً على الوعود أو الالتزامات من قبل بعض المنظومات الدولية، سيكون مراهنة غير مضمونة النتائج. فهذه الوعود لا يمكن الركون إليها، وقد جرب الشعب الفلسطيني وعوداً أكثر وضوحاً وكانت موثقة ومكتوبة، ومع ذلك لم يتم الالتزام بها، ومنها الوعود التي حملتها اتفاقات أوسلو المجحفة ذاتها.

ومع ذلك، فإن هذا الحراك والتفاؤل باعتراف الأمم المتحدة وقبول فلسطين عضوا كامل العضوية فيها، هام وإيجابي، بل ويجب استثمار ما أُنجِز دوليا من اعترافات، من بينها اعترافات دول أمريكا اللاتينية، وهو أمر يقتضي تمتين الجبهة الداخلية واستكمال عملية المصالحة، وإعادة بناء البرنامج التوافقي الوطني الفلسطيني بين الجميع، ليصبح الخطاب الفلسطيني موحداً أمام العالم وأمام الجمعية العامة.

إن مرحلة ما بعد "استحقاق أيلول"، سواء تم تقديم الطلب الفلسطيني للأمم المتحدة أو تم الإحجام عنه، تتطلب إنتاج البدائل الوطنية القائمة على أساس التوافق الوطني، التي تشكّل ضرورة كبرى في إطار العمل المطلوب من أجل تحشيد أوراق القوة الفلسطينية، ووقف عملية بعثرتها، وبالتالي في السير نحو إنجاز كامل ملفات اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية، وحل الاستعصاءات التي ما زالت تعترض تنفيذ بنوده، ومنها مسألة تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، تعيد توحيد المؤسسات الفلسطينية بين القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.

طباعة Email