بين التنافسية والحمائية وداعا للعولمة

بين التنافسية والحمائية وداعا للعولمة

«إن فكرة وجود سوق ذات سلطة مطلقة لا تخضع لأي قوانين أو تدخل سياسي، تنم عن جنون، ولهذا فإن التنظيم الذاتي انتهى، والتساهل انتهى».

هكذا تحدث الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في أعقاب الأزمة المالية العالمية، مؤكدا على أن نموذج السوق الحر المطلق في النسق الرأسمالي المتوحش، ربما أضحى أمرا قد تجاوزته حقائق الواقع، سيما بعد أن وصلت «الرأسمالية غير المقيدة إلى نهايتها» على حد تعبير وزير الخزانة الأميركية السابق هنري بولسون.

والشاهد أنه ما بين تصريحات ساركوزي وتعبيرات بولسون تتجلى حقيقة مؤكدة، وهي أن «الولايات المتحدة الأميركية سوف تخسر مكانتها كقوة عظمى في النظام المالي العالمي والعالم سيتغير الى الأبد».

غير أن علامة الاستفهام التي نحاول الإجابة عليها في هذه القراءة: هل واشنطن فقط هي الخاسر الأكبر أم النظام الرأسمالي المعولم؟ وهل نحن إزاء نهاية العولمة والعودة إلى زمن الحمائية والتنافسية بالفعل، سيما بعد أن ذهب كثير من الخبراء والمحللين الاقتصاديين إلى «أننا أصبحنا الآن كلنا اشتراكيين»، وخاصة في ظل عودة الحقبة الأميركية الجديدة من التدخل الحكومي؟

تعرف الحمائية بأنها «الجهود الحكومية لوقاية المنتجين المحليين من المنافسة الدولية، وتعتبر سياسة ذات جذور عميقة في جميع أنحاء العالم، وتأتي كاستجابة للمصالح الخاصة وكانعكاس للقلق الشعبي إزاء صدمة التغيير في آن معا». على أن التساؤل؛ هل مفهوم الحمائية حداثي واكب الأزمة المالية الأخيرة أم له جذور تاريخية بعيدة؟

للحمائية في واقع الأمر تاريخ طويل، فقد لجأت الحكومات تحت وطأة الضغوط السياسية في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، الى حماية منتجي المنسوجات والسيارات والسلع الزراعية وغيرها من المنتجات.

حدث ذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر، عندما فرضت بريطانيا رسوما جمركية على الواردات بهدف حماية المزارعين البريطانيين وملاك الأراضي الزراعية، من منافسة الواردات من الحبوب الأجنبية رخيصة الثمن لمحاصيلهم.

وبعد مرور ثلاثة أرباع القرن، شكلت الحمائية المنبثقة عن أسباب سياسية استجابة عالمية شاملة لأزمة الكساد العالمي الكبير. فخلال حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 1928، تعهد هربرت هوفر مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة، برفع التعريفات الجمركية على المنتجات الزراعية المستوردة، لمساعدة المزارعين الأميركيين الذين عانوا لسنوات من تدهور أسعار سلعهم.

هل اليوم شبيه بالأمس؟ الثابت أن واشنطن وكما كانت رأس الحربة في نسق العولمة المتوحشة، فإنها باتت أيضا اليوم تشكل الإزعاج الأكبر لبقية دول أوروبا وروسيا والصين، من جراء خططها التحفيزية الاقتصادية ذات الطابع الحمائي.. كيف ذلك؟

مع أواخر فبراير من العام الماضي، كان الرئيس الأميركي باراك أوباما يوقع في مدينة دنفر الأميركية، خطة الدعم والإنقاذ التي أقرها الكونغرس، لتدخل الخطة بذلك حيز التنفيذ ولتبدأ رسميا وفعليا جهود أوباما في «إبقاء الحلم الأميركي حيا» على حد وصفه.

وعلى الرغم من التوقيع على تلك الخطة العملاقة، إلا أن الجدل حول مدى جدوى هذه الجهود في حل الأزمة لم ينته، وامتد الحديث إلى التداعيات المحتملة من جرائها على الاقتصاد العالمي.. لماذا؟

لأنه في الوقت الذي يطالب فيه الأوروبيون والآسيويين بأن تبذل الحكومة الأميركية جهودها، من أجل الحيلولة دون تطبيق إجراءات الحمائية في إدارة الاقتصاد الأميركي، فإن خطة الإنقاذ الاقتصادية التي اعتمدها أوباما يقوم جوهرها على زيادة دور الدولة في إدارة الاقتصاد.

والشاهد أنه عندما قال أوباما في خطاب تنصيبه، إن الوقت قد حان لتخطي الجدالات العقيمة حول ما إذا كان يجب أن يكون التدخل الحكومي كبيرا أو محدودا، كان يردد الفلسفة الانتقائية التي يعتمدها نيكولا ساركوزي الذي يناصر الأسواق الحرة تارة ويشجع تنامي نفوذ القطاع العام تارة أخرى.

وعندما نعت أوباما «وول ستريت» بسالمخزية» والجشعة، كان يعبر عن الرأي الذي طالما كان سائدا بين الفرنسيين، ويؤيد رفض ساركوزي للفكرة الجنونية القائلة بأن الأسواق دائما على حق.

على أن التساؤل؛ هل هذه الوطنية الاقتصادية هي بداية طريق أميركا نحو اشتراكية جديدة تخالف اشتراكية الأولين، ومنعطف تاريخي لحمائية تنافي وتجافي العولمة التي تزعمتها بقوة السلاح مرة وبضروب الحيل والألاعيب عبر منظمات، مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مرات أخرى؟

عقب خطابه الأول أمام جلسة مشتركة للكونغرس، قال البعض إن أوباما أطلق «الإعلان الديمقراطي الاشتراكي الأكثر جرأة الذي يصدر عن رئيس أميركي أبدا»، ما دعا نيوت غينغريتش رئيس مجلس النواب الأميركي الأسبق، للقول إن اوباما يأتي إلينا ب«الاشتراكية الأوروبية»..

أيعني ما تقدم أن العالم في حاجة إلى إعادة صياغة النظام المالي الدولي من جديد، وتقديم نماذج مغايرة لنموذجي العولمة الصارخة والحمائية عالية الثمن؟

ربما يكون هذا بالفعل هو صحيح المشهد، وهو الأمر ذاته الذي دعت إليه النخبة الفكرية والمالية العالمية، التي اجتمعت في الأمازون بالبرازيل العام الماضي في منتدى مواز لدافوس.

وذلك عندما أشار المفكر الفرنسي الكبير فرانسوا أوتار رئيس مركز القارات الثلاث في بلجيكا، إلى أن الأزمة المالية تضع العالم أمام تحد ضخم ينطوي على تداعيات عديدة، فإما أن يعاني الناس إلى حد لا يكونوا معه قادرين على التحرك، أو أن تظهر حركات تمرد أو مقاومة منظمة.

وشدد على ضرورة تقديم ردود على أزمة الليبرالية الجديدة «من أجل تحقيق السلام في العالم وإرساء نماذج بديلة».

هل يمكن القول، إذن، وداعا للعولمة؟ في الاغلب الاعم من الإجابة؛ نعم.. وإن لم يعلن ذلك رسميا حتى الساعة.

كاتب مصري

emileamen@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات