الإعلام العربي.. أيام زمان

الإعلام العربي.. أيام زمان

في عهد الأيام الذهبية للإعلام العربي؛ كان قلق التفكير في المحتوى الإعلامي، غير ظاهر ولا مسيطر مثلما يسيطر اليوم، مع اختلاف الظروف والضغوط التي هي أصعب من اليوم وأشد وأفتك.

فقد كان الإعلامي القديم يكفيه التفكير في الشرائح التي سيتوجه إليها، ليملأ محتواه بالمفيد، وحينما نقلب الذاكرة سنتذكر، كما نقول دائماً، أشياء تشبه الكنوز الثمينة، حتى برامج الترفيه، كانت عبارة عن برامج لها علاقة بتنمية الثقافة العامة، فبرنامج «سين جيم» الشهير، كان أكاديمية في بث المعلومات العامة، لدرجة أن حلقات البرنامج تحولت بعد ذلك إلى كتاب لمقدمه الإعلامي شريف العلمي، وبيع منه بالآلاف وإلى اليوم، انتشر الكتاب واحتل مكانه في بيوت الناس..

في الوقت نفسه كان «سين جيم» برنامجاً ترفيهياً في منظور إعلاميي زمان. لا يحتار صاحب القرار الإعلامي في السابق، حينما يرتب دورة برامجية لمشاهديه، ولا معد البرامج في الإذاعة، ولا رئيس التحرير في الصحيفة، لأن المناخ العام في الثقافة والفكر كان يقود العملية بسلاسة.

فكانت للطفل جرعته وللمرأة جرعتها وللرجل والشاب والمفكر والسياسي والاجتماعي والاقتصادي جرعاتهم الخاصة، من وجبة المحتوى الإعلامي العربي. كان الأمر سهلًا ودون تعقيد، يوم كان الإعلام يمتلك ناصية محتواه، دون تأثير.

ويوم كانت الرؤى واضحة، ويوم كان الإعلامي العربي يحدد اتجاهاته بناء على أجندة مطالب تفرضها المثاليات والقيم لحضارة كانت تشهد ثورة انبعاث.. حتى الخبر الذي كنا نقرأة عن فلسطين، أو التحليل أو التعليق كانت مفرداته مغايرة لما هو عليه اليوم، كانت هناك همّة، وهناك عقل إعلامي يدرك أمانة صنعته.

لهذا، ورغم الإمكانات البسيطة، كان محتوى الإعلام العربي غنياً ومكتنزاً بمادة مثالية، هي قوت للعقول، وكانت الإبداعات الإنسانية تحمل رسالتها الرزينة الرصينة، التي أوصلت حتى الخفيف والبسيط والترفيهي في الإعلام العربي إلى مستوى يحسد عليه.

كان ذلك كله في ظل رقابة صارمة، وأحياناً متسلطة وجائرة، وبالرغم من ذلك كان الإعلامي العربي يعزز محتواه بقيم عالية وثمينة، أثرت في محيطها، وكان مردودها إيجابياً على المستمع والقارئ والمشاهد العربي.. الجمهور الذي ما زال يحفظ أسماء برامج وأسماء كتّاب ومذيعين عرف عن فكرهم الإعلامي أكثر مما عرف عن تفاصيل ملامح وجوههم، حتى الغناء كان محتواه مغايراً ومختلفاً، كان أكثر صدقاً واقتراباً من الوجدان والذوق.

اليوم نطالب الإعلام بالمحتوى الجيد في إطار مواصفات عصرية، لكننا في الوقت نفسه ننسى الانحراف الكبير الذي أصابه، حينما تخلى عن تلك القيم الحضارية الكبرى، وحينما بدأ يفرغ من فلسفة وجودة الأصل. بعض الاستثناءات موجودة ولا يمكن نكرانها، وهذه الاستثناءات في الإعلام العربي تصارع وتواجه الأمرّين، من أجل بقائها، في الوقت الذي ابتلع فيه منطق السوق الكعكة كلها!

mhalyan@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات