حكايات النكبة والجرائم الكبرى المفتوحة

حكايات النكبة والجرائم الكبرى المفتوحة

نستحضر اليوم مرة أخرى، ونحن في فضاء الذكرى الثانية والستين للنكبة واغتصاب فلسطين، تلك العوامل والظروف التي تضافرت كلها معا لتنتج لشعبنا وأمتنا النكبة المفتوحة..

فلم تكن النكبة كارثة طبيعية عابرة، ولم تكن بفعل عوامل جغرافية خارجة عن قدرة التحكم والسيطرة والتغلب عليها.. بل كانت نتاج جملة عوامل وظروف ساهمت فيها القوى المختلفة الحاضرة في المشهد..

فكانت هناك القرارات والمخططات والمشاريع الاستعمارية، وكانت هناك الأدبيات والمفاهيم والمنطلقات السياسية ـ الفكرية ـ الأيديولوجية العنصرية الإرهابية الصهيونية/ الإسرائيلية، من جهة أولى، وكانت هناك أيضا المعطيات والمعادلات العربية والإقليمية والدولية، المتواطئة أو المتحالفة أو المتخاذلة تجاه المشروع الصهيوني في فلسطين من جهة ثانية.

وكان هناك عجز وتفكك وضعف وقلة تنظيم وتسليح العرب والفلسطينيين على أرض فلسطين من جهة ثالثة.. كلها تضافرت معاً لتنتج سلسلة مشاهد ومحطات تحكي لنا قصة النكبة المفتوحة، وتحكي لنا أيضاً قصة الصمود والنضال والصراع الفلسطيني من أجل البقاء.

فمنذ البدايات والجذور، وكما هو موثق في صحف التاريخ والجغرافيا والحضارة والتراث، احتلت فلسطين في الوعي الوطني الفلسطيني دائما قمة الهموم والأولويات والاهتمامات، كما احتلت في الوعي القومي العربي صميم الوجدان، وكانت في الوعي الإسلامي على امتداد تاريخ الأمة دائما آسرة الأمة الاسلامية... فكانت وبقيت دوما الجوهر والعنوان الكبير لكل ما يجري على امتداد مساحة الوطن والأمة، وكانت جزءا من خارطة الوطن الكبير..

وكان شعبها جزءا من الأمة العريقة.. حملت معركة فلسطين معها دائما كل العناوين.. وكل العناصر.. وكل الأبعاد الأخرى المتعلقة بالعقيدة والهوية والانتماء والتاريخ والحضارة والجغرافيا والمستقبل. كلهم كانوا يعرفون ذلك..

ولذلك تحالفت وتواطأت المؤسسة الاستعمارية البريطانية والحركة الصهيونية، ومن ورائهما أيضا الحاضنات الأوروبية الاستعمارية، من أجل العبث بحقائق التاريخ والجغرافيا والمسميات.. اتفقوا على «تسويق فلسطين» على أنها «أرض بلا شعب»، وأنها «الأرض الموعودة» ل(شعب الله المختار)!!

كانت الجريمة الكبرى الأولى فكرة في تلك الأدبيات الاقتلاعية الصهيونية، ثم تحولت الى قرارات، ثم إلى تنظيمات وآليات عمل على مختلف الجبهات التنظيمية والاعلامية والاقتصادية.. فكان الاجتياح الصهيوني التهويدي تحت مظلة وحماية ودعم الاستعمار البريطاني.

ويبدأ المشهد بذلك الوعد البلفوري المشؤوم للحركة الصهيونية الذي منحها دون حقٍ، وطناً ودولة ومستقبلاً، فدشن في فلسطين والمنطقة برمتها عصرا جديدا من الحروب والاعتداءات وجرائم الحرب المروعة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، فكانت تلك الجريمة الكبرى الثانية.

وكان ذلك الوعد الباطل فاتحة مسلسل النكبات المتصلة في فلسطين، فجاءت موجات الهجرة والتهجير والغزو البشري اليهودي لفلسطين تحت مظلة ودعم وحماية الاستعمار البريطاني أساساً، لتشكيل الجريمة الكبرى الثالثة، ولتبدأ بعد ذلك مرحلة تطبيق المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية: استيلاء واستيطانا فيها.. وقبل ذلك، وبالتزامن معه، بناء جيش صهيوني محترف ومدجج بأفتك الأسلحة..

فكانت تلك الجريمة الكبرى الرابعة في المشهد الفلسطيني. وبلغت المؤامرة ذروتها عشية الإعلان عن انتهاء الانتداب البريطاني، ثم اندلاع «الحرب» العربية/ الصهيونية غير المتكافئة، والتي كانت طبخة مبيتة محسومة لصالح الصهاينة، لتسجل في المشهد الفلسطيني الجريمة الكبرى الخامسة..

بعد ذلك كله تأتي الجريمة الكبرى السادسة، مجسدة بأبشع الجرائم الصهيونية عبر التاريخ: حرق شامل للأخضر واليابس في فلسطين، وتدمير شامل للمدن والقرى الفلسطينية (نحو 532 قرية وبلدة ومدينة)، ومجازر جماعية دموية مروعة لم ينج منها حتى الطفل الفلسطيني الرضيع، ثم ترحيل وتشريد وتلجئ جماعي للشعب الفلسطيني (نحو 850 ألف فلسطيني)..

ولتتحول فلسطين العربية إلى كيان صهيوني، وليتحول شعب فلسطين إلى لاجئين في أصقاع الأرض، بلا وطن وبلا هوية وبلا حقوق ولا مستقبل، بينما الحركة والعصابات الصهيونية تحولت إلى نظام وكيان ودولة معترف بها، لها وطن وهوية وحق في الوجود والمستقبل.. لتكون تلك الجريمة الكبرى السابعة في المشهد.

وتتواصل الجرائم الصهيونية بأشكالها المختلفة، الدموية والاستيلائية الاستيطانية الاحتلالية، والانتهاكية السافرة لحقوق الفلسطينيين، على امتداد المرحلة الزمنية الممتدة من تاريخ الوعد البلفوري الكارثي مرورا بعدوان يونيو 1967، وليس انتهاء بالراهن الفلسطيني 2010، ولتتحول فلسطين 1948 كلها، إلى الهيمنة والسيطرة الصهيونية ويجري تهويدها بالكامل تقريباً، بعد أن كانت كلها «من المية للمية» عربية الجذور والهوية والانتماء والملكية..

وليتحول أهلنا هناك إلى أقلية قومية مضطهدة مطاردة في وطنها، تتعرض لأقسى وأبشع أشكال الممارسات العنصرية على أيدي سلطات ومجتمع الاحتلال، لتشكل هذه المعطيات الجريمة الكبرى الثامنة.

وعلى نحو أعمق وأشمل وأشرس، فإذا كان المشهد الأول يقتصر على مساحة فلسطين 1948، فإن المشهد الثاني الذي يبدأ فصله الأول بالعدوان الإسرائيلي على العرب في حزيران 1967، والذي أسفر عن هزيمة عربية أخرى قاسية، وأسفر عن احتلال الضفة وغزة والجولان وسيناء، يشتمل بدوره على سلسة أخرى مفتوحة من الجرائم الكبرى المستمرة.

ولكن، تبقى الجريمة الأكبر والأقسى والأشد قهراً ومرارة في المشد الفلسطيني برمته منذ أكثر من قرن من الزمن، هي تلك المتمثلة بحالة العجز والانكسار والتأقلم العربي مع مشهد الجرائم الصهيونية المستمرة، كما في حالة التواطؤ الأميركي ؟ الغربي مع دولة الاحتلال الصهيوني، وتآمر أو فرجة أو حيادية «المجتمع الدولي».

وتبقى استمرارية النكبة المفتوحة المترامية إلى الفضاءات العربية الأخرى، بسبب حالة العرب المتفككة والانقسامية، وبسبب السياسات العربية التي تحولت على نحو دراماتيكي مرعب، من لاءات الرفض للمشروع الصهيوني إلى «نَعَمات» القبول به والتعايش معه!

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات