روسيا لم ترتم في أحضان الغرب

روسيا لم ترتم في أحضان الغرب

شهدت موسكو عرضاً عسكرياً متميزاً بمناسبة الذكرى الخامسة والستين للانتصار في الحرب الوطنية العظمى، وشارك في هذا العرض الذي جرى في الساحة الحمراء بمركز العاصمة الروسية، فرق من جيوش أذربيجان وأرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وتركمانيا وأوكرانيا ومولدافيا، وأيضاً وحدات من القوات الأميركية والبريطانية والفرنسية والبولندية.

واعتبر العديد من المحللين الغربيين أن مشاركة قوات الناتو في هذه العروض إشارة لارتماء روسيا في أحضان الغرب. وقد يكون بالفعل حرص روسيا على مشاركة ممثلي عن قوات دول الحلفاء الغربيين في هذا العرض يحمل معاني ومضمون سياسي. خاصة وأن روسيا ستستقبل قمة روسيا والاتحاد الأوروبي في أواخر شهر مايو الجاري.

كما سيقوم الرئيس ديميتري ميدفيدف بزيارة إلى الولايات المتحدة في أواخر الشهر القادم. ما يعني أن العديد من الملفات ستناقش خلال الأسابيع القادمة، ولابد من إيجاد السبيل لتسويتها. إذ يجب التعامل مع ملف العلاقات الروسية ـ الأوروبية مع الإدراك بوجود العديد من المشاكل التي تعرقل الانتقال بهذه العلاقات لمرحلة نوعية جديدة.

لا تخفي موسكو كما لا تخفي العواصم الغربية مساعيهم للتقارب والتعاون والتنسيق في مختلف المجالات. ولعل ذكرى الانتصار في الحرب الوطنية العظمى جسدت أهمية هذا التعاون، التي لمستها البشرية منذ أكثر من ستين عاماً.

ويسيطر اعتقاد على الأوساط الحاكمة في روسيا أن إمكانات التعاون مع أوروبا تتمتع بأفاق واسعة. إذ إن الاتحاد الأوروبي يعتبر شريكاً أساسياً بالنسبة لروسيا في مجال تجارتها الخارجية، بل وارتفعت حصته إلى 8. 51% في الفترة من يناير ـ مارس 2010، بعد أن كانت 7. 49% في الفترة نفسها من العام الماضي.

كما أن قيادة حلف الناتو بدأت تتجه بشكل جاد للتعاون مع روسيا، حيث دعا الأمين العام لحلف الناتو اندرس فوغ راسموسين إلى بناء منظومة (أوروبية) للدفاع المضاد للصواريخ بمشاركة روسيا، معتبرا أن تحقيق ذلك سيؤدي إلى تشكيل منظومة أمنية موحدة في أوروبا. ولا يقتصر الأمر على ذلك، وإنما تعتبر روسيا من أهم موردي الطاقة للقارة الأوروبية، اذ تحصل أوروبا على أكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز من روسيا.

كل هذه العوامل لابد وأن تشكل أرضية لإطلاق تعاون جاد ومثمر بين روسيا والقارة الأوروبية، بما يخدم مصالح كافة الأطراف الدولية، بل ويضمن استقرار الأمن العالمي. ولا يمكن إغفال أن العلاقات الروسية-الأوروبية مرت بمنحنيات صعبة، بدءا من عدم توقيع معاهدة التعاون والشراكة بسبب الاعتراضات البولندية على سياسات روسيا الاقتصادية، مرورا بأزمة انسحاب روسيا من معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا، وانتهاء بالحرب الجورجية صيف عام 2008.

إلا أن هذه المنحنيات أو العراقيل التي كان من المفترض أن تسبب تدهور العلاقات أسفرت عن نتائج عكسية، إذ انها قادت الغرب لإدراك حقيقة هامة أنه لا يمكن تجاهل روسيا ومصالحها. والعمل على إلزامها بما تخطط له دوائر القرار الغربية. في نفس الوقت التي لا يمكن فيه التخلي عن صلات التعاون مع روسيا على مختلف المستويات.

ويحلو للبعض أن يعتبر الصراع الدائر حرباً باردة بين جبهات أو اصطفافات، إلا أن هذا التصور ليس صحيحاً. لأن روسيا والدول الغربية منضوية في اطار نظام سياسي اقتصادي واحد، خلافا للمرحلة السوفييتية. عندما كان الاتحاد السوفييتي يمثل نظاماً اقتصادياً وسياسياً مناقضاً للنظام الغربي. إلا أن اندماج روسيا في هذا النظام لا يعنى تخليها عن مصالحها، بل على العكس أنه يزيد من حدة الصراع بعد زوال أخطار تدمير النظام الحر التي كانت مسيطرة خلال مرحلة القطب السوفييتي.

ويدفع هذا الواقع للقول بأن علاقات روسيا مع العالم الغربي تمر عبر مخاض وعملية استكشاف بل ومساومات على حصص كل طرف. وهو مسار طبيعي في العلاقات. إلا أن خطورة هذا المسار تكمن في أن مصير الأمن والنظام السياسي والاقتصادي على الكوكب يرتبط بمحتوى هذه العلاقات.

أن روسيا والدول الغربية في العصر النووي الحالي، وفي مواجهة تهديدات الإرهاب الدولي محكوم عليهم بالتعايش السلمي، حتى لو كان هذا السلام هزيلاً، إلا أنه أفضل من حرب قوية. وستستمر صراعاتهم بين تصعيد وهدنة، كما كان عليه الحال في السابق. وسيستمر سباق التسلح، لأن كل طرف مضطر لإثبات قدراته الدفاعية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات