الزعامة.. لرجل السياسة أم رجل الدولة؟

الزعامة.. لرجل السياسة أم رجل الدولة؟

في الأحايين الصعبة والمفصلية والحرجة في حياة الشعوب، حين يفرض اللايقين أجواءه على ساحات حراكها السياسي، ويرسم صوراً مقلقة لغدها، تُطرح أسئلة جوهرية وخطيرة في المحافل التي ترتادها نخبها، حول ما الذي تحتاجه هذه الشعوب من برامج للنهوض؟ وما هي مواصفات القيادات التي بمقدورها تجاوز ما تمر به من محن؟ وأي نوع من الزعامات أكثر أهلية لمواجهة حاضرها الكئيب وضمان الوصول إلى مستقبل أفضل؟

الزعيم هو من تتوافر في شخصه صفات تؤهله لقيادة مجموعة من الناس، سواء بفعل ما يتمتع به من قدرات فكرية تأسرهم، أو بما يمتلكه من قدرات على إلهامهم وإيقاظ أحلام كامنة في ضمائرهم، أو بما يمتلكه من قدرات تنظيمية تصنع من وحدتهم قوة قادرة على التغيير، أو بما لديه من علاقات متميزة وواسعة، محلية وإقليمية، تساعده على تحقيق مستقبل أفضل لهم.

هذه الخصال التي قد يتمتع بها أو ببعضها من يتميز بالزعامة، قد توصله إلى سدة الحكم ليصبح رئيساً للدولة، وليصبح الرجل الأول في صناعة القرار، وليصبح أداؤه، عند ذاك، موزعا بين ما تتطلبه مهام رجل السياسة، وبين ما تتطلبه مهام رجل الدولة.

ورغم أن المهام في الحالتين متشابكة إلى حد كبير بشكل يصعب عزل إحداها عن الأخرى في المواقع المتقدمة من هياكل الدولة، إلا أن صانع القرار قد يصنف، حسب طبيعة طروحاته وأداء إدارته، على أنه رجل سياسة، وقد يصنف، وفق الأسس نفسها، على أنه رجل دولة.

فمن هو رجل السياسة ومن هو رجل الدولة؟

هذا السؤال ليس جديدا، فقد تداوله المفكرون والفلاسفة في العصر الإغريقي القديم، وإذا صح القول بأن سقراط، في القرن الثالث قبل الميلاد، أول من وضع أسس المدرسة الأخلاقية، يصح القول، كذلك، أن أحد أبرز طلابه، أفلاطون، هو أول من وضع الأسس لفلسفة السياسة.

فقد ترك لنا هذا المفكر الكبير كتاب «الجمهورية»، وترك لنا كذلك مسرحية «رجل الدولة» التي جعل أستاذه سقراط أحد أبطالها. إلا أن التجربة الإنسانية الثرية عبر العصور، قد أنضجت إلى حد بعيد الإجابة عن هذا السؤال الهام.

السياسي أو رجل السياسة، هو من يتمكن من التأثير في صناعة القرارات التي تتعلق بالشؤون العامة، وهذا يشمل الأشخاص الذين يتبوأون المناصب الكبيرة في الدولة، أو الذين يطمحون للحصول على هذه المناصب، سواء عن طريق الانتخابات، أو عن طريق القيام بانقلاب عسكري، أو الاستعانة بقوات احتلال أجنبية، أو استخدام حق الوراثة، أو الادعاء بالحق الديني.

أما مصطلح رجل الدولة statesman فقد حظي باهتمام أكبر على مر العصور، من قبل مفكرين وفلاسفة كبار، وقد تغيرت صياغته عبر التاريخ بسبب التجربة الحياتية التي تسهم عادة في إغناء وإثراء معاني المفردات.

ففي ظل الأجواء المثالية التي تركت بصماتها على أفكار وسلوكيات الأقدمين، يعتقد أرسطو أن رجل الدولة هو من يتمكن من غرس ميزة أخلاقية في مجتمعه، وتكريس نزعة نحو الفضيلة وأداء يتميز بالنبل والاستقامة.

أما الآن، استناداً إلى معطيات الواقع الذي نعيشه، فيمكن القول بأن رجل الدولة هو من له القدرة على استشراف المستقبل البعيد، والتكهن بما ينبغي إعداده من خطط كي يشغل مجتمعه موقعاً مرموقاً فيه. يتميز رجل الدولة بالعزيمة والتصميم والتعقل، لا يتردد في المخاطرة عند الضرورة مع اتخاذ ما يلزم من الحذر.

رجل الدولة يكون عادة أحد السياسيين أو أحد الوجوه الاجتماعية المعروفة، رجل يحسب له حسابه في المواقف الشائكة، من خلال تأثير وهيمنة صنعهما تاريخ رسمته سيرته الشخصية في عالم السياسة الذي أبحر فيه بنجاح، أو في عالم إدارة الدولة التي ترك فيها بصمات قوية.

ولعل الاهتمام بتقليب مصطلح رجل الدولة، قد دفع الصحيفة اللندنية «أخبار المساء » في يوليو من عام 1960، إلى تقديم اقتراح بإدخال مصطلح جديد في عالم السياسة، وهو مصطلح امرأة الدولة stateswoman حين أصبح حلم المرأة في الترشح للمناصب القيادية حقيقة تبوأت في ضوئها سيريمافو بندرنايكا، عن طريق الانتخابات، منصب رئاسة الوزارة في سريلانكا.

وحين يغادر رجل الدولة المسرح، يكون قد حظي بقدر كبير من الاحترام، ولم تشغل إنجازاته الصفحات الأولى من الصحف اليومية فحسب، بل وجدت نفسها بعد حين تشغل بعضاً من صفحات التاريخ. ولعل أفضل من أغنى معنى مصطلح رجل الدولة، هم أناس كانوا في هذا الموقع أو كانوا قريبين منه، أناس مرموقون سطر لهم التاريخ صفحات كثيرة.

إما بسبب دورهم في إغناء الحياة الفكرية على مستوى العالم، أو دورهم في صناعة الواقع الذي نعيشه؛ إذ يرى هنري كيسنغر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، أن رجل الدولة هو من يستطيع تجسير الفجوة بين الرؤية والتجربة، ومهمته تكمن في وضع حلول لما هو معقد، وليس الاكتفاء بتأمل هذا التعقيد.

أما فون بسمارك، الزعيم الذي وحد ألمانيا، فيرى أن من مهام رجل الدولة تجنيب شعبه الحروب، حتى لو كانت فرص النصر فيها كبيرة.

وقد أغنى آخرون معنى المصطلح عن طريق المقارنة مع مصطلح رجل السياسة، فقد عبر عنه بدقة رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو، الذي خلف الجنرال ديغول في زعامة الحزب الديغولي، حين قال «إن رجل الدولة هو سياسي يضع نفسه في خدمة شعبه، في حين أن السياسي هو رجل دولة يضع شعبه في خدمته».

وهو في هذه المقولة يتقارب إلى حد ما مع ما يطرحه الجنرال ديغول نفسه في هذا الصدد: «مع أن السياسي لا يؤمن بما يقول، فإنه يذهل دائماً حين يفعل ذلك آخرون». أما ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفيتي السابق، فيرى أن الفرق بين رجل الدولة والسياسي، هو أن الأول يعمل ما يعتقد أنه الأفضل لبلده، في حين يعمل الثاني على ما يعزز فرص إعادة انتخابه.

ويشارك غورباتشوف الرأي المبشر اللاهوتي والكاتب الأمريكي جيمس فريمان كلارك (القرن التاسع عشر)، الذي يرى أن رجل السياسة يفكر بالانتخابات المقبلة، في حين يفكر رجل الدولة بالأجيال المقبلة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات