اليوم الوطني للصلاة

اليوم الوطني للصلاة

تخيل، عزيزي القارئ، لو أن المجلس النيابي في دولة عربية أصدر قرارا باختيار يوم من أيام السنة وأعلنه «يوما وطنيا للصلاة»، يدعو فيه رئيس الدولة المواطنين كل عام للصلاة، وفيه تقوم كل المؤسسات الرسمية للدولة بدعوة رجال الدين لإقامة الصلوات داخل تلك المؤسسات.. لو أن هذا حدث في أي بلد عربي لقامت الدنيا ولم تقعد في الغرب، ولانطلقت السهام تتهم ذلك البلد العربي بأنه يؤسس لقيام دولة دينية!

وتخيل معي لو أن رجال الدين الذين تدعوهم تلك المؤسسات الرسمية للدولة، ممثلون لطائفة دينية واحدة بينما هناك مواطنون لتلك الدولة يدينون بمذاهب أخرى، ناهيك عن أديان أخرى.. لو حدث ذلك في بلادنا لقامت الدنيا أيضا ولم تقعد، واتهم ذلك البلد باضطهاد الأقليات.

غير أن ما قلته حالا لحضرتك ليس من بنات أفكاري، وإنما هو ما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية فعلا! فبقرار للكونغرس صدر منذ عقود طويلة، تم تفويض الرئيس الأميركي باختيار أحد أيام الأسبوع الأول من مايو من كل عام، باعتباره «اليوم الوطني للصلاة». وفي هذا اليوم فإن المؤسسات السياسية المختلفة، تدعو قساوسة بعينهم لتولي مهمة إقامة الصلوات، والتي ظلت لسنوات طويلة صلوات مسيحية بروتستانتية فقط، رغم التعددية الدينية الهائلة في أميركا!

غير أن اليوم الوطني للصلاة لم يمر هذا العام في هدوء كما يحدث كل عام منذ عقود، فقد أثيرت منذ شهر ضجة بخصوصه، واستمرت حتى حلوله في السادس من مايو الحالي، فكان يوما صاخبا غطاه الإعلام بكثافة.

فبعد أن كانت وزارة الدفاع الأميركية قد دعت القس فرانكلين غراهام ليقود الصلاة بها في ذلك اليوم، عادت وألغت الدعوة بعد ضغوط قوية تعرضت لها من خارج الوزارة وداخلها.

فقد قامت منظمة تدعى «الهيئة العسكرية للحريات الدينية» بالضغط لإلغاء الدعوة، لسببين؛ أولهما أن فرانكلين غراهام له موقف معاد، ليس فقط للإسلام وإنما لأديان أخرى أيضا. فهو كان وصف الإسلام بأنه «دين شرير ومؤذ»، الأمر الذي تصبح معه دعوته بمثابة إهانة للمسلمين العاملين في الوزارة، و«يفتح الباب أمام تعريض حياة الجنود الأميركيين المتواجدين في دول إسلامية للخطر».

أما السبب الثاني فهو أن الرجل هو الرئيس الشرفي لمجموعة عمل اختارتها الوزارة لتتولى المهمة، في حين أن تلك المجموعة لا تقيم إلا صلوات مسيحية فقط. وقد انضم المسلمون الأميركيون العاملون في الوزارة لتلك الضغوط، حتى ألغيت الدعوة فعلا.

لكن موقف وزارة الدفاع لم يغير شيئا لدى فرانكلين غراهام وأنصاره، فهو ذهب في ذلك اليوم مع أنصاره إلى مبنى البنتاغون وأقام صلواته على الرصيف، ثم ظهر في أكثر من لقاء في الإعلام كرر فيه ما قاله من قبل عن الإسلام، بل هاجم وزارة الدفاع واتهمها بأنها اعتدت على حقه في الحرية الدينية التي كفلها الدستور، لأن موقفه من الإسلام موقف مبني على عقيدته الدينية التي يؤمن بمقتضاها بأن المسيح عليه السلام هو الطريق الوحيد إلى الله. والتلفيق هنا واضح، فالإيمان بالعقيدة المسيحية لا يتبعه عند ملايين المسيحيين الشرفاء حول العالم، القفز إلى العدوان على الأديان الأخرى وسبها.

وهذا ليس التلفيق الوحيد الذي يتبناه غراهام؛ فهو لم يقل مثلا أن ارتكاب بعض المسلمين جرائم باسم الدين قائم على تفسير بائس للإسلام، وإنما يقول العكس تماما. فهو يقول إنه يحب المسلمين وليست لديه أية مشكلة معهم، وإنما مشكلته مع الإسلام نفسه؛ جوهره وتعاليمه. بعبارة أخرى، هل هناك تلفيق أكثر من أن تقول إنك تعادي الإسلام وتعتبر تعاليمه شريرة ومؤذية، لكن لا مشكلة عندك مع أتباعه الذين يتبعون تلك التعاليم نفسها؟!

على أية حال، فإنه رغم أهمية استجابة وزارة الدفاع الأميركية للدعوة لاحترام المسلمين ودينهم، إلا أن ما لا يقل أهمية هو ذلك الخلط للسياسي بالديني. فالوزارة التي رفضت رجل دين بعينه، اختارت غيره للقيام بالمهمة ذاتها. بل أكثر من ذلك، بعد أن كانت إحدى محاكم الدرجة الأولى قد حكمت بعدم دستورية «اليوم الوطني للصلاة» أصلا، لأنه يصل إلى حد «دعوة الدولة للمواطنين للقيام بفعل ديني»، أعلن أوباما أنه سوف يمضي قدما في الاستعداد لإقامة تلك المناسبة السنوية.

ولأن خلط الديني بالسياسي هو القاعدة لا الاستثناء في أميركا، فقد انبرت فورا سارة بيلين للدفاع عن فرانكلين غراهام، مستخدمة الحدث للهجوم على أوباما. أما أوباما فقد قام، في خضم ذلك الصخب كله، بزيارة ودية للقس المعروف بيلي غراهام، الذي هو أيضا والد فرانكلين غراهام، وهي بالتأكيد زيارة تستهدف كسر حدة عداء أتباع فرانكلين، لا الرجل نفسه.

ففرانكلين عادى أوباما منذ البداية، وقام في لقاء عقد أثناء الحملة الانتخابية، بتوجيه أسئلة لأوباما حول معتقداته الدينية ومدى علاقته بالإسلام، بل ومدى تدينه. وهي أسئلة وصفها من حضروا اللقاء، بأنها أخذت شكل التحقيق معه!

ولم ينج أوباما في المعركة الأخيرة من لسان غراهام، فبعد أن قال إنه لا يتصور أن يحدث ما حدث له دون أن يكون البنتاغون قد استشار البيت الأبيض، اتهم أوباما بأنه سمح للمسلمين بالتجاوز. ثم أضاف «ومع ذلك سأصلي من أجل أوباما، سواء كان رجلا صالحا أو اشتراكيا، فالرب يأمرنا بالصلاة لمن في السلطة بغض النظر عن صلاحه».

حين تابعت القصة، أدركت أنها رغم ما تنطوي عليه من وقائع جديرة بالتأمل، إلا أن دلالاتها ليست جديدة بالنسبة لأميركا. فالعلمانية الأميركية ذات طابع فريد للغاية، وخلط السياسي بالديني فيها يصل أحيانا إلى مستويات تصدم كل من لديه تعريف واحد أو أوروبي للعلمانية!

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات