EMTC

رحيل الجابري النص يتعدى صاحبه وأطروحته

رحيل الجابري النص يتعدى صاحبه وأطروحته

كانت وفاة الجابري مفاجئة لي، أنا الذي كنت من الذين واكبوا أعماله، منذ صدورها، في مطلع الثمانينات من القرن الفائت، قراءة ونقداً في آن.

ولذا أجدني مدفوعاً لأقول كلمتي في هذا المقام، تحيةً لرجل تصدر الواجهة الفكرية لفترة طويلة. ولا مبالغة في القول، فقد كان الجابري، من أكثر الذين مارسوا حضورهم وفاعليتهم بين الفلاسفة والمفكرين العرب في العقود الأخيرة؛ بدليل أن أعماله لاقت رواجاً لا سابق له، ليس فقط بين أهل الفلسفة والمثقفين عموماً، بل بين شرائح واسعة من عموم القراء.

ويعود ذلك إلى غير سبب: الأول؛ أن الجابري افتتح حقبة جديدة في الفكر الفلسفي العربي، تمثلّت في المشاريع النقدية. بالطبع ليس هو الأول في هذا الخصوص، فقد سبقه إلى ذلك فلاسفة ومفكرون، أبرزهم عبد الله العروي وصادق جلال العظم، ولكن الجابري هو أول من فكر بتوجيه النقد إلى العقل نفسه، تمشياً مع ما أسسه الفيلسوف الألماني كنط، الذي كان أبرز فلاسفة التنوير الأوروبي، والذي قلب الآية باجتراح طريقة جديدة يتركز فيها عمل النقد والتحليل، لا على المذاهب والمدارس والتيارات الفكرية، بل على أداة الفكر؛ أي على العقل نفسه.

وهذا ما حاول الجابري أن يفعله، كما تجسد ذلك في رباعيته حول (نقد العقل العربي): تكوين العقل، بنيته، العقل السياسي، العقل الخلقي.

ثمة سبب آخر وقف وراء شهرة الجابري، هو أن الرجل يندرج في موجة جديدة من موجات الحداثة، خرج أهلها من معاقلهم الأكاديمية وعلى مدرسيتهم الجامدة، فهجروا اللغة المتحجرة التي تتناول مسائل ماورائية بعيدة عن الواقع، لكي يتناولوا قضايا حية وراهنة، كقضايا الهوية والحرية والديمقراطية والمجتمع المدني والعولمة والتنمية..

معهم لم يعد القول الفلسفي مجرد أطروحة منطقية أو نظرية متماسكة أو مقولة مجردة، بل تعدى ذلك ليصبح تشكيلاً خطابياً ينتج المعنى، أو كتابة بالمعنى الأحدث الذي تفهم فيه الكتابة بوصفها شيفرة الوعي ومبنى الفكر ولغة المفهوم أو خريطة المعرفة.

بذلك جرى إنزال المقولات والنظريات من صعدها المتعالية، إلى أرضها المحايثة. ولعل ذلك أسهم في تطور الفلسفة وازدهارها في العالم العربي، كما يشهد رواج الأعمال وتكاثر الأعلام بموجاتهم المتلاحقة واتجاهاتهم المختلفة.

يضاف إلى ذلك سبب ثالث قد صنع شهرة الجابري، هو الإفادة من عصر الإعلام والصورة، حيث بات الشعار اليوم: أنا أُشَاهَد إذاً أنا أوجد. من هنا كانت له مشاركته الفعالة في المؤتمرات والندوات الفكرية أو في الحوارات التلفزيونية، وكان له انخراطه في الكتابة في الصحف اليومية، فضلاً عن المجلات الدورية، وقد كان له الفضل في تأسيس واحدة منها هي «فكر ونقد».

وأياً يكن فإن أعمال الجابري، سيما النقدية، قد حرّكت ساحة الفكر، إذ فتحت ملفات كانت مغلقة، وأثارت قضايا مهمة، واقتحمت مناطق كانت مستبعدة من نطاق الدرس والتحليل، باستخدام عدة منهجية جديدة تجمع ما بين الحداثة وما بعد الحداثة.

وإذا كانت أعماله قرئت على نطاق واسع، فإنها قد أثارت، ولا تزال تثير، الجدل والمناقشة، بين محبذ ومخالف، أو بين مريد محب ومعارض حتى العداء. وسواء، كنا نتفق معه أو لا نتفق، فإن ما مارسه الرجل من الحضور والفاعلية، طوال ثلاثين عاماً، يشهد له لا ضده، أي أنه ولّد أفكاراً جديدة خلقت مجالها التداولي وتركت أثرها الفعال، وسط المشهد الثقافي.

من هذا المنطق كان موقفي النقدي من نقد الأستاذ جورج طرابيشي للدكتور الجابري، على سبل النفي والإقصاء. ذلك أن طرابيشي، وبعد أن اشتغل طويلاً على نصوص الجابري، لم يجد فيها سوى الثغرات والأخطاء. طبعاً هذا هو المعلن في نقد طرابيشي، أي أنه لا جديد في نقد الجابري. ولكن المسكوت عنه، هو أن انشغال طرابيشي بأعمال الجابري، طوال سنوات كما يعترف، هو دليل على أهمية نصوصه وجدّة خطابه.

والنص الغني، بإمكاناته يتجاوز صاحبه وأطروحته، بمعنى أنه يتعدّى التصنيف في خانة ضيقة أو ثنائية خانقة أو مقولة مغلقة، لكي يشكّل مساحة مفتوحة للقراءة. وهذا هو مؤدى «نقد النص»، الذي هو طور جديد من النقد يتجاوز «نقد العقل».

ولعل هذا كان مدخلي لقراءتي النقدية لعمل الجابري حول نقد العقل. فقد أحسن الرجل صنعاً، بالتركيز، لا على المنتوجات الثقافية، بل على العدة التي يتم بها الإنتاج، أي على العقل وبنيته وقوالبه وبداهاته وآلياته... ولكن الجابري حاد عن خارطة الطريق، إذ هو في نقده للعقل العربي، قد فسّر أزمته أو محنته، بردها إلى أسباب خارجية تمثلت برأيه في العقل الهرمسي أو الغنوصي أو الفارسي...

هذا في حين أن أزمة العقل هي بنيوية، ذاتية، كما يبين النقد، منذ كنط حتى ميشال فوكو. كان الأجدى الذهاب بالتحليل إلى أقصاه في هذا الاتجاه، ذلك أن عقولنا لم تكن سليمة، صافية، ثم أتى من يخربها من الخارج.

كذلك أحسن الجابري في التمييز بين ثلاثة عقول: برهاني، بياني، عرفاني. ولكنه اعتبر أن كل واحد من هذه العقول، إنما يخص طائفة معينة من الناس. في حين أنها توجد مجتمعةً لدى كل طائفة أو جماعة أو أمة. بل هي قد تجتمع في الذهن الواحد، إذ المرء قد يفكر أحياناً بصورة بيانية مجازية، وأحياناً أخرى بصورة برهانية منطقية، وقد يفكر ثالثة بصورة عرفانية صوفية...

لا أريد الاسترسال في الشرح، إذ المقام لا يحتمل ولا يتسع. ولذا أنهي بما يخص علاقتي بالجابري على الصعيد الشخصي. فأنا التقيت به، في بيروت، في مطلع التسعينات من القرن الفائت، وكان دعي يومئذٍ إلى إلقاء محاضرتين في منتدياتها.

ثم كانت لنا، في ما بعد، لقاءات في الندوات الفكرية، في غير عاصمة عربية، وكانت علاقتي به ودية، بالرغم من نقدي له، لأن هذا النقد قد بني على الاعتراف بمنجزه وأثره.

لقد أسفت لرحيل الجابري. ولكنه إذ غاب الآن، فإن مؤلفاته باقية، ينشغل بها قراؤه ويشتغلون عليها، على سبيل الشرح والتأويل، أو التحليل والتفكيك، بغية التجاوز وإعادة البناء والتركيب.

وكذا شأن الفيلسوف، إنه لا يقبض على الحقيقة، وإنما يخلق بنصوصه إمكانات للتفكير، تتيح لمن يحسن العمل عليها واستثمارها أن يختلف عنه، وأن يتغير عما هو عليه، على سبيل التجديد والتطوير في صوغ الإشكاليات أو في تحليل القضايا ومقاربة الأشياء.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb

طباعة Email
تعليقات

تعليقات