ظاهرة الفساد حسين العودات

ظاهرة الفساد

يكاد الاهتمام بالفساد والشكوى منه والمطالبة بمقاومته يطاول الاهتمام بالتضييق على الحريات وارتفاع نسب التلوث وزيادة التصحر والتهام أراض خضراء جديدة كل عام، وارتفاع درجات الحرارة الذي غدا يهدد بإذابة ثلوج القطبين وارتفاع مستوى مياه البحار والمحيطات وتعريض المدن الساحلية للغرق والفناء.

وربما كان الاهتمام بالفساد يفوق الاهتمام بهذه جميعها؛ لما له من تأثير سلبي مباشر في حياة الناس وظروف عيشهم. ولذلك قررت الأمم المتحدة تحديد يوم عالمي سنوي من كل عام تحتفل فيه دول العالم مذكرة بحجم الفساد وتناميه وأضراره على حياة الأفراد وتطور المجتمعات.

وتصدر المؤسسة المعنية بالفساد لدى الأمانة العامة للمنظمة الدولية سنوياً دراسة حول الفساد، وتذيلها عادة بنشر قائمة بترتيب دول العالم حسب نسبة الفساد فيها، بناء على معايير علمية وأسس منهجية تضعها المنظمة الدولية، وتحتل معظم الدول العربية (مع الأسف) مراتب تشير إلى تقدمها في سلم الفساد، ويكاد ربع عدد هذه البلدان - حسب تقارير العام الحالي - يسيطر على ترتيب أكثر الدول فساداً.

وباستثناء دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر اللتين حصلتا على البراءة من الفساد قياساً لمعايير الأمم المتحدة، وحصلتا على مقعدين متقدمين في قائمة الدول النظيفة (نسبياً)، فإن بقية البلدان العربية بقيت في قوائم النصف الثاني الأكثر فساداً، ومعظمها في قائمة الثلث الأخير، وكأن الفساد غدا جزءاً من بنية دولنا العربية، إضافة للأمراض الرئيسية الأخرى.

من البديهي أن ما من فساد دون أسباب وظروف موضوعية، ولم يكن يوماً نتيجة ظروف أو شروط ذاتية أو نتيجة لها، فما من شعب تدعوه بنيته للفساد، أو يحتوي تكوينه على جينات تسببه، فالأمر سلوك مكتسب، سياسي واقتصادي واجتماعي وأخلاقي، ابن زمنه، ومحصلة لجملة عوامل تفرضه كقدر لابد منه، وجائحة يصعب ردها.

عندما تفشل الحكومة في أداء وظائفها وتلغي الرقابة على مؤسساتها وإداراتها وعلى العاملين فيها، وتمنع الرقابة بشكل عام عليها وعلى أعمالها، ولا تحترم فصل السلطات الذي هو من معايير الدولة الحديثة، وتهمّش المجالس التشريعية والمحلية الأخرى، وتضعف القضاء وتنال من استقلاليته، وتضيّق على الحريات الصحافية وتمنع الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى من أداء مهمتها الرقابية.

كما تلغي دور منظمات المجتمع المدني، عند ذلك، يتفشى الفساد، ولا يشعر الذين يقدمون عليه أو يضطرون للإقدام عليه بالخوف من النتائج، ويصبح المجتمع وإدارة الدولة عندها جاذباً لعمليات الفساد، مبرراً سلوكه وسلوك المفسدين.

وفي هذه الظروف يسهّل المناخ العام تفشي الظاهرة وانزلاق كثيرين وسقوطهم في هوة الفساد، ويتحول هذا إلى ظاهرة عامة، وإن كان الفساد يبدأ عادة بحالات فردية، فإنه يصبح، عند توافر هذه الشروط، جائحة، مثله مثل جائحات الأوبئة التي تجتاح البلاد وتقضي على العباد، ولن تنفع في مقاومته عندئذ لا المبادرات الفردية، ولا الحلول الجزئية.

لا يُخلق أحد فاسداً، بل تدفعه الظروف إلى الغرق في مستنقع الفساد، ولعل على رأس هذه الظروف الفقر وضعف البنية الثقافية وضمور الوعي، وانعدام تكافؤ الفرص، ما يشعره بظلم واقع عليه، ويغريه باتباع أساليب غير مشروعة لرد هذه الظلامات والتخلص من هذا الحال البائس الذي هو فيه، ويدفعه للتعويض عما فقده وتمتع به غيره باتباع أساليب غير مشروعة.

وتسويغ ممارسة سلوك من أحط أنواع السلوك البشري سوءاً، ويتجاهل الثوابت الأخلاقية مثلما تجاهل غيره (كالحكومة ومؤسساتها أو مؤسسات المجتمع) الثوابت الاقتصادية وثوابت العدالة والتكافؤ.

ويبرر لنفسه السير بالسلوك المنحرف كرد على سلوك حكومته ومؤسساتها الذي يتجاهله، وعندها يصبح (مال الدولة حلال) كما يقول المثل الدارج، ثم يتطور الأمر ليصبح (مال الغير حلال) و(مال الفساد حلال)، ولا يعود أحد يخجل من ممارسة الفساد، بل ربما يفتخر بجني الأرباح والأموال بسبب هذه الممارسة، وتأخذ الجائحة عندها مداها في إفساد الأخلاق، وتدمير الاقتصاد وهدم سلم القيم، ويستسلم الأفراد والجماعات لهذا الواقع المرير الذي يهزم الجميع.

إن انتشار الفساد في مجتمع ما، هو نتيجة خلل سياسي وسوء في الخطط والممارسات الاقتصادية، وفشل في تحقيق التنمية، وتشوه في الثوابت الأخلاقية ومنظومة القيم الأخلاقية للمجتمع، وهو في الوقت نفسه معيق للتنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي، وينبغي أن نتذكر دائماً وجود أساس علاقة جدلية ذات نتائج سلبية تقوم بين الفساد من جهة وبين التنمية والتقدم والحكم الرشيد والعدل والتكافؤ من جهة أخرى.

يصعب على أي فرد حاكماً كان أو داعية أو منظراً أو ناشطاً اجتماعياً أو غير ذلك مقاومة الفساد وحده، وبمبادرة فردية ودون وجود استراتيجية شاملة وإرادة صادقة من الحكومة والمجتمع، وتبقى مثل هذه المحاولات مبادرات جزئية لا تحل المشكلة. وتقتضي المقاومة الحقيقية للفساد والقضاء على منابعه وعلى الظروف التي أوجدته، احترام معايير الدولة الحديثة كلها السياسية والأخلاقية

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org

طباعة Email
تعليقات

تعليقات