موقع حسّاس ودور استراتيجي

موقع حسّاس ودور استراتيجي

مع تصاعد وتيرة التهديدات الكلامية ضد لبنان وغيره من الدول الفاعلة في معادلة الصراع الإقليمي ـ الشرق أوسطي، تبرز مجددا سلسلة من التساؤلات الهادفة لاستبيان آفاق أي صدام محتمل، في ظل مجموعة من المعطيات الماثلة على أكثر من صعيد.

ولا شك أن لبنان سيكون، كالعادة، أول من يستشعر نتائج أي صراع مقبل، أخذا بعين الاعتبار موقعه الحساس في خارطة المواجهة المحتملة، لكن أيضا لأنه لا يزال في الوقت الحاضر، وكما كان دائما في السابق، محور التهديدات الإسرائيلية.

وهو يبدو كذلك، ليس لأنه الأضعف في دائرة الممانعة حاليا، بل ربما لأنه بات يمثل، حسب وجهة النظر الإسرائيلية، الطرف الأكثر تهديدا للكيان العبري، نظرا لمجموعة من العوامل، وأهمها:

ـ بقاء مشروع المقاومة المسلّحة والمتطورة كخيار رئيسي يحتكم إليه معظم اللبنانيين (ولا أقول جميعهم)، وفي مقدّمتهم أغلب أركان النظام السياسي الحاكم.

ـ انتقال هذه المقاومة، بالاستناد لما سبق، من حالة المواجهة الفردية المعتمدة على دعم متناثر من هنا أو هناك، إلى حالة مكمّلة للمواجهة الإقليمية بأبعادها المختلفة، وهو ما يجعل منها عنصرا رئيسيا وبارزا في معادلة أي صراع عسكري قد يندلع في المستقبل.

ـ قدرة هذا المشروع على التغلغل في أدبيات وأفكار كثيرين، على اختلاف تياراتهم وأفكارهم السياسية، وبالتالي إعادة ترجيح خيار المقاومة المسلحة على كافة الخيارات الأخرى، التي سعت مفاوضات السلام المتعثرة لطرحها دائما كبديل متطور وممكن. وبالتأكيد، فإن هذا الواقع ينشر القلق في نفوس كثيرين ممّن يتعارضون من حيث المبدأ مع النهج العادي للمقاومة المسلّحة، ويرفضون بالتأكيد النهج الجديد الذي بدأ يعبّر عن نفسه بكل وضوح من خلال لغة التحدي والوعيد.

إن ارتفاع نبرة الخطاب السياسي الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، يعكس بلا شك توجها معيّنا بدأت ترتسم ملامحه شيئا فشيئا، وهو يرمي في جميع الأحوال للتعبير عن رفضه القاطع لحالة المقاومة اللبنانية بشكلها الجديد، لا سيما أن هذه المقاومة قد حظيت أخيرا بنسبة تأييد ودعم كبيرة على الصعيد الرسمي المحلي، مترافق بالطبع مع ما كانت تتمتع به أصلا من احتضان شعبي محلي وعربي واسع.

وإذا أضفنا لذلك الخليط بُعده الإقليمي الحاسم، نصل إلى جوهر التحدي الذي تراه إسرائيل ماثلا أمامها، والذي تعمل جاهدة لقمعه أو على الأقل ترويضه بأي شكل ممكن.

وهنا تبرز أمام اللبنانيين تحديات كبيرة وجسيمة، تضع مستقبل بلادهم في ما يشبه البلورة السحرية التي يمكن من خلالها توقع أي شيء. والتطور المجهول يبقى بكل تأكيد رهن التصرف اللبناني نفسه، فإما أن يكون إيجابيا وذا انعكاس طيّب على مصلحة البلاد، أو سلبيا بكل ما للكلمة من معنى مرعب وخطير. والتجارب الكثيرة لكلا الحالتين ماثلة أمامنا، كجزء لا يتجزأ من التاريخ الحديث.

في هذا السياق تبرز سلسلة من الأحكام التي قد تسهّل قراءة ما قد تؤول إليه الأوضاع، في ظل المستجدات الدولية الأخيرة التي سُمعت من خلالها أصوات قرع طبول الحرب.

فقد تبين أن رفع سقف التصريحات الإسرائيلية ومن خلفها الأميركية حيال ما أشيع عن تهريب صواريخ متطورة إلى حزب الله اللبناني، لم يكن يهدف إلا لتهيئة أجواء معيّنة تترافق مع المساعي السياسية والدبلوماسية الآخذة بالتطور شيئا فشيئا على الصعيدين الإقليمي والدولي. وهذه الأجواء النهائية ستتوضح حتما في القريب العاجل، بعد أن تتمخض الاتصالات القائمة بين الإدارتين الإسرائيلية والأميركية عن نتائج محددة، هذا بالطبع، إذا تمكن المبعوث ميتشل من تحقيق أي اختراق على هذا الصعيد.

أمام هذا الواقع الحساس، قد يكون من المنطقي أن يسعى اللبنانيون للحفاظ على حالتهم التضامنية الآخذة بالتطور، وأن يستفيدوا منها لتعزيز صفوفهم ضمن وطن شاءت ظروفه أن يتحمّل أعباء أكبر من حجمه بكثير. فهذا التضامن سيكون قادرا وحده على التخفيف من أي عبء مقبل، قد تفرزه شبكة الاتصالات والتحركات العنكبوتية الإقليمية والدولية.

وهذا يتطلب بكل تأكيد شجاعة ومسؤولية كبرى من كافة القوى الفاعلة دون استثناء، أي من تلك التي تتبنى مشروع المقاومة بصفته حامي الوطن ومصدر كرامته، لكن أيضا من تلك التي تصر على اعتباره مصدرا للخطر وضياع الوطن.

ومقابل ذلك، فإن المطلوب بكل إلحاح هو العمل من أجل بناء فريق عمل متجانس، يبقى بعيدا كل البعد عن الطرح الطائفي الضيق، وقريبا جدا، على الأقل انتمائيا، من فكرة الوطن القوي والجامع لكل المشاريع الحريصة على مستقبله. فكيف يمكن لفريق دبلوماسي غير متجانس أن يدافع عن مصالح الوطن في الخارج، إذا كان رافضا لبعض ما هو قائم في الداخل؟ وكيف يمكن مواجهة المشاريع الهادفة لقتل الوطن، إذا كان الأشخاص المنتدبون لهذه المهمة غير مؤمنين أصلا بتوجهاتها وجوهر أهدافها؟!

وفي المحصلة النهائية، قد يكون مفيدا في الوقت الحاضر إعداد خطة دبلوماسية شاملة، تكون رديفة لحالة التضامن التي سبق الحديث عنها. والتحرك على هذا الصعيد، لا يكتمل فقط بالاجتماع بممثلي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وإطلاعهم على حيثيات الموقف الرسمي، بل بشن حملة واسعة على عدة محاور بهدف تأمين أوسع تضامن ممكن لمواجهة احتمالات المواجهة المقبلة>

ووضع بعض الدول أمام مسؤولياتها في ما يخص المواقف السياسية والأمنية التي تتبناها (وأحيانا تمارسها) لصالح الدولة العبرية.إن لبنان يقف اليوم على مفترق حساس، يخوّله لعب دور استراتيجي للغاية.. فلنأمل أن يحسن اللبنانيون تقييم الموقف بجرأة ومسؤولية.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz

طباعة Email
تعليقات

تعليقات