صورة مقطعية للانتخابات السودانية

صورة مقطعية للانتخابات السودانية

من المعروف عند القراء الكرام أن الأطباء يلجؤون إلى ما يسمى «الصورة المقطعية»، إذا عجزوا عن تشخيص المرض من خلال المعاينة المباشرة للمريض، ومن هنا جاءت استعارة العنوان كيما نقف على الانتخابات السودانية الرئاسية والبرلمانية، لنستكشف ما وراء الأكمة في تلك الانتخابات التي انتهت لتوها بصورة حميدة.

من حيث خلوها من العنف، وشهادة المراقبين الدوليين بانسيابها الناعم، ما يدلل على أن تلك الانتخابات جاءت لتؤكد أن الشعب السوداني يتّسم بقدر كبير من الشفافية والقبول بالاختلاف، وعدم الاعتداد بردود الأفعال العنيفة.

القراءة المقطعية لحالة ما قبل الانتخابات، تشير إلى أن رؤوس الحراب السياسية تمثّلت في حزب المؤتمر الوطني وشريكه الحركة الشعبية، وكذا حزبي الأمة والاتحادي، بالإضافة إلى طيوف ألوان سياسية متعددة ومتفاوتة الحضور بالمعنى التاريخي للكلمة.

ذلك أن المتغير في الساحة السودانية تجاوز قيادات الأحزاب التاريخية، وأثبت أنه مُتغير فادح الآثار على من لم يحتسب له حساباً، وظل مقيماً في مرابع طمأنينته الأولى، ولهذا وجدنا أن العدد الإجمالي للمُصوّتين في الانتخابات، بلغ بالكاد نصف المؤهلين للإدلاء بأصواتهم، الأمر الذي يؤشر إلى اتساع المنطقة الرمادية لمن يحملون صوتاً واحداً يقول «نعم ولا» في الوقت ذاته.

وهذا الصوت الرمادي الذي آثر الصمت، يدلل على سكوت قطاعات واسعة من المواطنين في أمر الخيار والاختيار، لكنه لا يقلل من أهمية المُنجز إذا ما نظرنا إلى المسألة من زاوية مُنفرجة، فالانتخابات الأخيرة أفضت إلى حقائق موضوعية، تتلخّص في ما يلي:

؟ المنتمون إلى ما سميتها «المنطقة الرمادية» قطاع واسع وعريض من الشعب، وهؤلاء كان يمكن لهم أن يغيروا خريطة الانتخابات لو لم يلجأ بعض طيوف المعارضة الأساسية إلى المقاطعة، مما يُفسر ضمناً أن الانسحاب بدا كما لو أنه هروب من اختبار جماهيرية تلك الأحزاب.

ـ مرشح المؤتمر الوطني للرئاسة عمر البشير، نال أصواته حصرياً من الشمال، في ما نال المرشح المنسحب ياسر عرمان أصواته من الجنوب، وهو ما يمكن تفسيره بصورة مباشرة، على أساس أن المزاج الانتخابي الجنوبي ينصبُّ لمصلحة حق تقرير المصير والانفصال.

لكن هذه الثنائية الاستقطابية الحادة لا تنفي ثنائيات مقابلة في المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، فالتوّاقون إلى صيغة وحدوية متجددة ومُسيّجة بدولة فدرالية اتحادية، يوجدون في قلب قيادتي المؤتمر الوطني والحركة الشعبية. ولعل هؤلاء سينشطون في اتجاه استمرارية الوحدة، ولكن بأسس ترتقي إلى مستوى الاستحقاقات المطلوب من قبل كل السودانيين.

ـ كشفت الانتخابات ذرائعية خيار «نيفاشا» الذي أفضى إلى كونفدرالية فولكلورية غير معلنة، وبدأ استتباع تلك المخاتلة بتمثيل انتقائي لممثلي الجنوب، وهو ما يفتح الباب لمتوالية جديدة لاستنساخ المركز ونواميسه، مما سيجعل الجنوب المنفصل المحتمل نسخة اكروباتية للنظام المركزي.

وإذا سرت البروفة ذاتها على دارفور، فإن ما جرى وسيجري في الجنوب سيعمم بقوة دفع حر إلى دارفور، توطئة لأن يسري التيار الكهربائي القاتل إلى بقية أقاليم السودان.

ـ خلال الانتخابات وبعدها مباشرة، لجأ قطبا المعارضة التاريخية (المهدي والميرغني) إلى القاهرة وهما يشعران بخيبات ومرارات متعددة، ليس أقلها التشظّي الفعلي في بنية الحزبين التاريخيين المُسيجين بالطائفة والعشيرة، ولكن أيضاً بخطاب عصري يفصح عنه الصادق المهدي ببيان سليم، ضمنه سلسلة المبادرات الإصلاحية التي تكسّرت أمام صخرة الواقع.

ـ الصورة المقطعية للانتخابات السودانية تشير إلى مفارقة أساسية، مداها مشروع القوى المتصادمة في الشمال، والذي كان منذ عقود البدايات مشروعاً واحداً من حيث استناده للرؤية الإسلامية..

يستوي في الحال والمآل ممثلو مشروع الإسلام السياسي بأشكاله المنغلقة والمنفتحة، ابتداءً من المهدي والميرغني وحتى البشير والترابي، فهؤلاء جميعاً يتحدثون الآن بلغة مفارقة لمشروعهم العتيد، كأنهم في ماراثون جديد يذكرنا بالماراثون الإسلامي القديم ذاته!

يبقى القول إن استطلاعاً إقليمياً ودولياً للصورة المقطعية يتطلب وقفة لاحقة، لأنها تتصل بالولايات المتحدة واسرائيل من جهة، مروراً بدول أوروبا، وخاصة بريطانيا التي تعرف دهاليز السودان منذ أيام المهدية، وحتى مصر وإثيوبيا وتشاد.

كاتب وباحث يمني

Omarabdulaziz105@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات