«بدون» الكويت هل من حل؟

«بدون» الكويت هل من حل؟

لكسر الجمود الذي وصلت إليه مشكلة «البدون»، تقدم أربعة نواب من «التكتل الشعبي»، وهو من أقوى الجماعات التي يتشكل منها مجلس الأمة الكويتي، باقتراح له صفة الاستعجال، ينص على تجنيس أربعة آلاف من غير محددي الجنسية، أو من يعرفون في الكويت بالبدون، هذا العام (2010). وعلى رأس المتقدمين النائب مسلم البراك، الذي تصفه الصحافة المحلية بصاحب «الحنجرة القوية» لما عرف عنه من جرأة في الطرح مع شعبوية في تناول القضايا والمشكلات التي تواجه المجتمع الكويتي.

ويأتي هذا الاقتراح كطوق نجاة لآلاف البدون الذين ينتظرون الجنسية الكويتية بفارغ الصبر منذ سنوات طويلة، وبعد أن أخفق مجلس الأمة الشهر الماضي في إقرار قانون تقدم به بعض نوابه بإعطاء البدون «الحقوق المدنية والقانونية»، لكي يتمكنوا من مزاولة حياتهم الطبيعية ريثما ينظر في أمر تجنيسهم، أو إعطاء الإقامة الدائمة لمن يثبت عدم أهليته للجنسية، مع تسوية أوضاع المدعين الذين أخفوا جنسياتهم الأصلية طمعاً في الجنسية الكويتية.

وكانت جلسة مجلس الأمة في السادس من الشهر الفائت مثالاً للانقسام في الرأي حول هذه القضية، إذ انشق النواب إلى فريقين، أحدهم لا يرى للغالبية الساحقة من هؤلاء أي حقوق، بل يعتبرهم أشخاصاً من «المقيمين بصورة غير شرعية» وعلى هذا الأساس يجب أن يعاملوا، في حين رآها الآخرون كقضية إنسانية لا بد أن تسوى وفقاً للمعايير التي أقرتها المنظمات الدولية، والتي تعطي لهؤلاء حقوقاً كالتعليم والعلاج والعمل إلى حين تسوية أوضاعهم.

أما الحكومة فقد وقفت إلى جانب الرافضين، وإن هي وعدت «بموافاة المجلس بمرئياتها الكاملة في أقرب وقت ممكن»، وتعهدت بحل المشكلة في إطار «رؤية شاملة تراعي كافة الاعتبارات الأمنية والقانونية»، كما قال الناطق باسمها، وزير الدولة لشؤون الوزراء روضان الروضان. وكان أهم اعتراض للحكومة على تعريف غير محددي الجنسية، كما جاء في المقترح النيابي، باعتبار أن ذلك التعريف يعطي مزايا لما يقارب 100 ألف فرد.

وكانت الحكومة الكويتية بدأت في الآونة الأخيرة بالتخفيف من القيود التي كانت تفرضها على البدون، إذ منذ العام 2007 أخذت تقبل في الجيش والشرطة أبناء الكويتيات من هذه الفئة، وأبناء الشهداء، فضلاً عمن كان آباؤهم من العسكريين السابقين. وهي أيضاً باتت تقبل أبناء الكويتيات من هذه الفئة في الجامعة والمعاهد التطبيقية، مع فتح مجالات العمل لهم.

ويمكن القول إن مشكلة البدون المزمنة في الكويت قد مرت بمراحل ثلاث: أولاها بدأت مع تطور الأجهزة الأمنية في ظل نمو الدولة وازدهارها في ستينات القرن الماضي، إذ كانت لا تشترط حمل الجنسية للعمل فيها، فانخرط عدد كبير تحت مسمى «أبناء البادية». وقد دخل هؤلاء ضمن خانة الكويتيين في إحصاء 1965 و1975 و1980. المرحلة الثانية، تبدأ في العام 1986 حينما قررت الحكومة إلغاء مسمى «أبناء البادية»، وطالبت هؤلاء وغيرهم بإبراز جنسياتهم، خاصة أن عدد هؤلاء تكاثر ووصل في العام 1990 إلى 220 ألف شخص، في حين كانت جملة الكويتيين لا تتجاوز 550 ألفاً.

أما ثالث تلك المراحل، فأتت بعد تحرير الكويت في العام 1990، حيث لم يبق سوى 120 ألفاً من البدون، في حين أن الباقين قد رجعوا إلى مواطنهم الأصلية أثناء الغزو العراقي. وقد أنشأت الحكومة «اللجنة التنفيذية لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية» ـ والمقصود بهم البدون ـ التي قامت بفتح ملفات لهؤلاء وتصنيفهم، وفرز من لا يحملون بحق أي جنسية، وأولئك الذين أخفوا جنسياتهم وادعوا أنهم من البدون.

وبغية حل المشكلة والتخفيف من غلوائها، تم تعديل إحدى فقرات قانون الجنسية الكويتي الصادر عام 1959، ليعتبر شمول الشخص بإحصاء العام 1965 شرطاً للحصول على الجنسية، مما يفتح الباب أمام 35 ألفاً من البدون الذين يتراوح عددهم الإجمالي حالياً حول 95 ألفاً، بالتأهل للحصول على الجنسية الكويتية. غير أن ثمة مشكلة عويصة تواجه بعض هؤلاء، إذ إن ثمة «قيوداً أمنية» عليهم، بمعنى التعاون مع القوات العراقية أثناء احتلالها للكويت. ومن المعروف قانوناً أن التجنس امتياز تمنحه الدولة لمن تشاء، وليس حقاً، ناهيك عن أن يكون طالب الجنسية متعاوناً مع أعدائها!

والحق، أن الجدل حول حل مشكلة البدون لا ينتهي في الكويت، إذ ليس ثمة إجماع وطني على حلها بطريقة معينة، اللهم إلا رغبة الجميع في وضع نهاية لهذه المأساة الإنسانية. فثمة فريق، أغلبهم من حضر الكويت، يعارض بشدة عملية تجنيس هؤلاء، في حين يرى البعض الآخر، وأغلب هؤلاء من أبناء القبائل، أن من تنطبق عليهم الشروط يجب أن يمنحوا الجنسية، خاصة أن هؤلاء البدون من نفس النسيج الاجتماعي الكويتي.ولا يتفاءل الكثيرون، في ظل أجواء الشد والجذب بين المجلس والحكومة، بأن تنتهي هذه المشكلة نهاية سعيدة، على الأقل ليس في المنظور القريب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات