الأوكرانيون ينقلبون على ثورتهم البرتقالية

الأوكرانيون ينقلبون على ثورتهم البرتقالية

 

نتائج الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا في جولتيها التمهيدية والإعادة، يمكن توصيفها بشكل مختصر بأنها كانت انقلاباً من قبل الشعب الأوكراني على ثورته البرتقالية.

قال الأوكرانيون كلمتهم في الانتخابات التمهيدية التي جرت يوم 17 يناير الماضي، ووجهوا صفعة قاسية ومؤلمة للرئيس الحالي فيكتور يوشنكو، الذي لم يجمع سوى 5 بالمئة من أصوات الناخبين.

وفي جولة الإعادة يوم الاثنين الماضي وجه الأوكرانيون صفعة أخرى لمن يمكن تسميتهم بـ «المذبذبين» في مواقفهم، بين السير نحو الغرب أو الارتكاز على المحيط الإقليمي، واختاروا زعيم الأقاليم الذي انقلبوا عليه في ثورتهم البرتقالية الشهيرة عام 2004 فيكتور يانكوفيتش.

وبغض النظر عن مبررات الفوز أو أسباب الخسارة، فإن الشعب الأوكراني أثبت انه شعب حي، وانه لا يقبل الضيم، ولا يتنازل عن حقه تحت أي ضغط.

ما جرى في أوكرانيا منذ استقلالها في 24 أغسطس من عام 1991، إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، يؤكد أن الشعوب « الحية « قد تنخدع بشعارات براقة، وقد تنجر وراء زعيم متهور لفترة من الزمن، لكنها سرعان ما تتدارك أخطاءها وتثوب إلى رشدها.

منذ الاستقلال، دخل الزعماء الأوكرانيون مرحلة ما يمكن تسميته بالتيه، وانساقوا بشكل غير طبيعي وغير مسبوق، وراء شعارات الأميركان والغرب ووعودهم، متخلين بذلك عن محيطهم الإقليمي، وتحديداً عن روسيا متناسين ما بين الشعبين من روابط اجتماعية، وعرقية ودينية واقتصادية.

تناسى بعض زعماء أوكرانيا أن شعبهم ينحدر من سلالة السلافيان التي ينحدر منها الروس، كما تناسوا أنهم أبناء ديانة مسيحية أرثوذكسية واحدة، وتناسوا تلك الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تعمقت مع الروس في الزمن السوفييتي.

واعتقد أولئك الزعماء أن الغرب وأميركا تحديداً ستفتح لهم أبواب النعيم والثراء وأن الأموال ستنهال عليهم لمجرد أنهم تخلوا عن روسيا، ولم يتمكن أولئك الزعماء من استلهام دروس التاريخ، وما يحكم العلاقات الدولية، فعجزوا عن إدراك حقيقة أن أميركا والغرب عموما، وإن كانوا حريصين على إزعاج روسيا وإقلاقها إلا أنهم أكثر حرصا على مصالحهم معها.

لم يدرك أولئك الزعماء أن الغرب يستخدمهم، ويسخرهم لتنفيذ بعض أجندته في المنطقة، لكنه كعادته لا يدفع أي ثمن بالمقابل، بل إنه سرعان ما يتخلى عن أولئك الذين سخرهم يوما ما، لم يدرك البعض من زعماء أوكرانيا كل هذه الأمور البديهية، لكن الشعب الأوكراني بتاريخه العريق وخبرته المتراكمة أدركها وتصرف على أساس هذا الإدراك فوجه درساً قاسياً لكل من لا يحسن تقدير الأمور ولكل من لا يقدم مصلحة شعبه ووطنه على أي مصالح شخصية أخرى.

منذ إعلان الاستقلال وحتى الآن أظهر الشعب الأوكراني الذي يتجاوز تعداده الـ 52 مليون نسمة، قدرة فائقة على الصبر، وتحمل الآلام في سبيل مستقبل قد يكون أضل في الغد.

تناسى بعض زعماء أوكرانيا تاريخ بلدهم الطويل والذي يرجع إلى عام 4500 قبل الميلاد، كما تناسوا أن بلدهم تعد أكبر دولة في أوروبا مساحة وأن معظم أراضيهم تتكون من سهول وهضاب زراعية خصبة وتعبرها أنهار مثل دنيبر، وسفيرسكاى دونتس، وغيرها.

تناسوا تماما أن بلدهم يطلق عليها الأرض السوداء بسبب خصوبتها وأنها من أكثر الدول إنتاجا للقمح وغيره من المحاصيل الزراعية الرئيسية، كما تناسوا ثروات بلادهم المعدنية والصناعية والتقنية وفوق هذا وذاك الثروات البشرية المؤهلة تأهيلا عاليا في مختلف المجالات.

تناسوا كل ذلك وفوقه مصالحهم الاقتصادية مع روسيا التي تنقل عبر أراضيهم نحو 85 بالمئة من الغاز الطبيعي إلى أوروبا الغربية، وهو ما يشكل مصدرا مهما للدخل، ناهيك عن التسهيلات التي كانت تقدمها لهم نتيجة لذلك ببيعهم الغاز الذين هم في أشد الحاجة إليه بسعر يقل بكثير عن سعره العالمي.

كل ذلك تناسوه لمجرد أن يؤكدوا أنهم لم يعودوا اشتراكيين، وأنهم أصبحوا رأسماليين غربيين، ونسوا أن كل ذلك لا اعتبار له في حسابات الأميركيين والغربيين الذين لا يتقنون إلا فن خدمة مصالحهم.

وإذا كان الشعب الأوكراني قد انقلب على ثورته البرتقالية، فإن هذا الانقلاب يؤكد بوضوح شديد أن الزعيم الجديد إذا لم يحسن التصرف، ولم يف بتلك الوعود، وتحديدا الاقتصادية منها التي قطعها على نفسه خلال الحملة الانتخابية فإن ثورة أخرى ستكون بانتظاره، لكنها هذه المرة قد لا تكون برتقالية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات