عِقد من الإصلاح في البحرين

عِقد من الإصلاح في البحرين

لن أدخل في سجال النقاش السياسي ولربما القانوني أحيانا، حول عقد الإصلاح لجلالة الملك حمد بن عيسى، وهو سجال في بعضه لن يوصلنا كدولة ومجتمع إلى محطات جديدة نرغب في تحقيقها جميعا.

فالإصلاح كعملية سياسية يواجه في الغالب بالكثير من المعضلات التي قد تحدث فيه بعض من التلكؤ والتباطؤ، كما أنه قد يواجه بمشكلة أخرى تتمثل في أن وتائر تغيراته، قد تجعل من قدرة الأفراد على التكيف معها مشكلة أخرى من مشكلات أي عملية تغيير في مجتمعاتنا النامية. وهي عملية لا يمكن فهمها إلا في ضوء قانون التطور الاجتماعي.

هذا التطور الذي قد يأتي أحيانا متتاليا وسريعا، ويخلق معه حالة من حالات الحاجة للتكيف الذي يأتي عبر فسحة زمنية، قد تأتي بعيدا أو قريبا في الزمن. كما أنها حالة قد تتطلب من الجماعات الفاعلة والمؤثرة في التطور، قدرا كبيرا من الصبر والتحمل.

فالتطور لا يأتي عادة على وتيرة واحدة وفي سياق واحد، وهو كأي عملية تغيير يأتي معه قدر من المعارضة، ولربما الانفلات، إلا أن الحكمة تأتي دائما في القدرة على ضبط الانفلات واحتواء المعارضة من جانب، كما هو في القدرة على عقلنة ردات الفعل الضابطة للفعل المنفلت.

فانفلات هنا لا يمكن أن يضبط بانفلات هناك، وهي حالة لا يمكن أن توصل المجتمع للمحطات المنشودة.

وأعتقد أن مشروع جلالة الملك الإصلاحي، قد استطاع أن يتجاوز خلال السنوات العشر الماضية مصفوفة من المعوقات، بعضها يأتي من داخل المجتمع والقدرة على تأصيل ثقافة الديمقراطية، كما أن بعضها الآخر يأتي من السياق السياسي أو من البعض فيه، ومدى قدرته على التكيف مع متطلبات الديمقراطية، أو بالأحرى التطبع بثقافة الديمقراطية، التي لا يمكن أن تأتي دون ضوابط نتعلمها كما نتعلم المعارف والمهارات.

والديمقراطية كعملية، تأتي بأشياء نرغبها وقد يرغبها النظام، وهي في ذات الوقت قد تأتي بأشياء لا نرغبها أو لا يرغبها النظام. بل إنها الديمقراطية، ونتيجة لإزعاجاتها وربما منغصاتها التي لم نتعود أو نتعرف عليها، قد تخلق اتجاهات معادية لها ولربما مرتدة عليها.

إلا أن العبرة تبقى في القدرة على العبور بها لمحطات النجاح، هذا النجاح الذي يتطلب في أحايين كثيرة الصبر على الناس، دون فقدان أو تضاؤل الإرادة الدافعة نحو التغيير. فالتغيير هو النتيجة الحتمية التي لا بد أن تصلها كل مجتمعاتنا البشرية، وتبقى الإرادة السياسية للحكم هي الضامن لأن تصل العملية لمراميها المنشودة.

وفي مجتمعاتنا التي تمسك أحيانا بها قوى التضامنيات العصبوية، الطائفية والقبلية، وتستقويان في بعض حالاتها على قوة الدولة وإرادتها، فإن التغيير قد يأخذ فسحة زمنية اكبر، كما أنه في بعض حالاته قد يدفع لأن يحيد عن المسارات وربما المرامي المرجوة لها.

فالتغيير في أي مجتمع من المجتمعات ونتيجة لكونه قد يصيب مركب القوة الاجتماعية والاقتصادية القائم، فإن حجم القبول به أو بالمساحات التعبيرية الجديدة عنه، قد يحتاج لفسحة زمنية قد تطول في بعض حالاتها.

وإذا ما اعتبرنا الإصلاح في احد أشكاله تغييرا لحالة سياسية واقتصادية بأخرى، فإنه ككل عمليات التغيير تعوزه دائما قوة من الدفع والتجديد تجعله في حالته الاندفاعية الدائمة.

وقد نتفق أو نختلف في تقييمنا لحالة التغيير، إلا أننا لا يمكن أن نختلف في حقيقة أن التغيير قد جاء بحالة سياسية جديدة، اتسعت فيها مساحات التعبير عن الفعل في المجال السياسي، كما دخلت البلاد فيها حالة جديدة بارحت فيها حالتها القديمة؛ اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وهي حالة لا يمكن فيها الرجوع للوراء.

وكأي عملية تغيرية فإنها تواجه بمجموعة من التحديات، التي قد تكون في بعضها نتاج مجتمعاتنا وتلكؤاته في النهوض، إلا أنها في بعضها الآخر نتيجة تلك التحولات العالمية المتسارعة، كما هي نتاج تلك المشكلات التي جاءت مع ما يمكن تسميته بالتحولات التكنولوجية والمعلوماتية الكبرى، التي أضحينا نتأثر بتداعياتها ونصاب بمصاحباتها. ويمكن هنا إجمال هذه التحديات في التالي:

أولا؛ تحدي تطوير النظام التعليمي، وهو تحد قد يبدأ، ليس فقط في إكساب الناس المعارف والمهارات الجديدة، وبالتالي قدرتهم على فتح أبواب الشغل والاندماج والمواطنة في المجتمع، وإنما في القدرة على تكوين النخب الثقافية المحلية الجديدة كما ونوعا، في مجالات السياسة والثقافة والإدارة والاجتماع، وهي قدرة لا بد من الوقوف أمامها جيدا والتفكير فيها، بعيدا عن تلك الحالة الإعلامية التي قد تواكبها.

ثانيا؛ أنه لا يمكن تحقيق النهوض الاقتصادي المنشود، إلا بالأخذ بمداخل جديدة في النهوض الاقتصادي، تتجاوز الحالة الريعية التي هي عليها كل الاقتصاديات الخليجية.

كما هي تتجاوز كل الكلام الإعلامي عن خلق اقتصاد المعرفة، الذي لا يمكن أن يأتي إلا من خلال التطوير الحقيقي للمعرفة في التعليم، كما هي القدرة على إنتاج المعرفة الجديدة، وليس فقط استهلاكها، وهي حالة لم يقاربها بعد الكثير من اقتصاديات المنطقة.

ثالثا وأخيرا؛ أن قوة الدفع التي جاء بها المشروع الإصلاحي لجلالة الملك في البحرين، تمثل الأساس الذي تبنى عليه عملية التأسيس لقيم الحكم الصالح، والمتمثلة في تحقيق حالة من الاندماج لكل مكونات المجتمع، في عمليات النهوض الاقتصادي والسياسي، كما أن في إطاره تتقلص دائرة الفساد، بينما تتسع فيها بشكل كبير دائرة الشفافية وتعلو سلطة القانون، كما وتربط المكافأة فيه بحجم الإنجاز والعمل.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات