أتراك مجاهدون

أتراك مجاهدون

كانت الدولة العثمانية خلافة مجيدة، وكانت أطول الدول الإسلامية التاريخية عمراً. ولكن أدركها في الربع الأخير من عمرها تدهور، مظاهره جمود في فهم الإسلام تقوده طبقة علماء منكفئة، وتعامل ذرائعي مع المستجدات أدى لبرامج إصلاحية مختلف عليها، ومفاخرة بالعزة الطورانية أثارت ضدها ردات فعل لدى القوميات الأخرى، وهزائم عسكرية بعد عصر الفتوحات. عوامل أطلقت حركات مقاومة للسلطان العثماني، واجهها العثمانيون بالقهر والاستبداد.

على طول إقليم السلطنة العثمانية انطلقت حركات مقاومة، بعضها اتخذ شكل تأصيل إسلامي رافض للانكفاء والذرائعية، وحركات قومية للتحرر من القبضة العثمانية، وتيارات فكرية علمانية شدها الإعجاب بتجربة الحضارة الغربية، فاتخذت شكلاً قومياً علمانياً.

كانت الدعوة المهدية في السودان، على حد تعبير د. عبدالواحد ودود شلبي: «حركة تمثلت فيها كل حركات الإصلاح في عصرها». وفي اتجاه مضاد تماماً، انطلقت حركات قومية علمانية، حمّلت الإسلام وزر التخلف العثماني وتطلعت لتحرر علماني. قال طه حسين: «علينا أن نقبل الغرب بكل ما فيه، لأنه المستقبل»، وقال سلامة موسى: «أنا مؤمن بالغرب، كافر بالشرق».

وفي تركيا نفسها أدت نفس العوامل إلى الظاهرة الكمالية (من مصطفى كمال)، ومرشدها الفكري ضياء كوك آلب الذي قال: «إن حضارة الغرب هي المستقبل، وإن حضارتنا الماضية إلى الإعدام». الكمالية قامت بإلغاء الخلافة (1924)، وبإقامة نظام علماني على أعلى درجة من الغلو، وبأقوى أساليب القهر لقمع كافة أنواع المعارضة.

هذه العلمانية الصارمة لم تفلح في اجتثاث الإسلام، ونشأت ضدها تيارات إسلامية أدركت أن سعة الإسلام لا تحاكم بضيق التجربة العثمانية. وكان من بين قادة هذه الصحوة الإسلامية، بديع الزمان النورسي الذي قادوه للسجن مراراً، ومن السجن وجه رسائله التنويرية الإسلامية. وكان من بين تلاميذ هذه الصحوة المصلح التركي فتح الله كولن.

وفي الأسبوع الأول من شهر يناير هذا العام، دعا منتدى الوسطية الإسلامية العالمي وفداً من حركة «أهل الخدمة»، بقيادة الأخ مصطفى أوزجان، وهي الحركة التي أسسها المصلح فتح الله، ودعا للاجتماع بهم نخبة من العلماء والمفكرين من أنحاء العالم الإسلامي.

وكان جوهر ما قاله الوفد التركي، ان هذه الحركة قامت على استراتيجية واضحة: تجنب التصدي لقضية السلطة تعايشاً مع هياكلها العلمانية الصارمة، والتركيز على التعليم، والصحة، ومحاربة الفقر، وتجنيد القطاع الخاص للإسهام في هذا الإصلاح الاجتماعي الإسلامي. نهج مختلف عن ما درج عليه كثير من حركات البعث الإسلامي، التي ركزت على قضية السلطان السياسي، على حساب التربية والإصلاح المجتمعي.

كثير من هذه الحركات المشدودة لأولوية السلطة، استطاعت بالشعار الإسلامي البراق أن تقوم بأدوار مؤثرة وناجحة في المعارضة، ولكنها لدى استلام السلطة تتعرض لامتحان عسير، ويعصف بها عاملان أساسيان: غياب البرنامج المطلوب لحل مشكلات الحكم، والاقتصاد، والمجتمع، والعلاقات الدولية؛ وغياب الكتلة الشعبية المعبأة لدعم التجربة.

وكانت النتيجة: البرامج المتخبطة المحكومة بضرورات برغماتية؛ وتعويض دور الدعم الشعبي الاختياري بأساليب القهر الفاشستية. فأدت التجربة إلى افتتان الحكام باسم الإسلام بالسلطة والمال، وإفراغ الشعار الإسلامي من محتوياته الموجبة للعدل، والعقل، والرحمة، والتسامح. ومهما كانت نواياهم، فإن هؤلاء لوثوا بتجربتهم الشعار الإسلامي، ومثلما حدث في التجربة العثمانية أعطوا الفكرويات المضادة بريقاً جاذباً.

ولكن، بأي حق نصف أهل الخدمة المجتمعية بالجهاد؟

عبارة الجهاد تكاد تحصر لدى كثير منا في القتال. الجهاد أوسع كثيراً من القتال. في سورة الفرقان المكية ـ أي قبل الإذن بالقتال ـ آية تقول إشارة للقرآن: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}. لذلك قالت السيدة عائشة (رضي الله عنها): «إن المدينة فتحت بالقرآن». هذا جهاد مدني.

وهنالك جهاد النفس. قال تعالى: ؟وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ؟، أي جاهدوا في مرضاتنا، والدِّين الذي اخترناه لهم، لأنه لم يكن جهاد القتال قد فرض يومئذ.

وفي حجة الوداع قال النبي (ص): {أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِه، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ}. وسئل النبي (ص): أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِر}.

هذا الاجتهاد في الفهم الواسع للجهاد، كان رائده في السودان القديم رجال الطرق الصوفية، الذين عاشوا في ظل سلاطين علوة والمقرة ونوباطيا المسيحيين، وسلاطين الفور والفونج والمسبعات وتقلي الإسلاميين، ونشروا الإسلام عقيدة وتربية، فخدموا العقيدة مهما صحب ذلك من تخليط. وكان رائد الجهاد المدني في السودان المحتل ثنائياً؛ الإمام عبدالرحمن المهدي الذي غرس اجتهاده الإسلامي ذا المرجعية الأنصارية في مناخ معاد لها، فحقق أهدافها الدينية والسياسية بأسلوب مدني، كما أوضح ذلك د. حسن أحمد إبراهيم في كتابه «المهدية الجديدة».

والحقيقة أن رائد الجهاد المدني الأول في الإسلام هو النبي (ص) نفسه، فقد كان جهاده في العهد المكي كله جهاداً مدنياً مشروعاً: {كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ}. واضطر للقتال درءاً للفتنة عن الدين، ودفاعاً عن النفس. ومع ذلك فقد حقق أهم انتصاراته بالقوة الناعمة: فتح المدينة سلمياً، واستمال الجزيرة العربية للإسلام في عامي صلح الحديبية، وفتح مكة دون قتال.

نعم تصدى الكيان الإسلامي لقتال السلطان القرشي، ثم السلطان الفارسي، والرومي؛ وذلك نتيجة لتعدي هؤلاء على الدين الجديد، ولكن حتى بعد الفتح في كل حالاته لم يتخذ النبي (ص) ولا الصدر الأول، فرض الإسلام بالقوة. كل الذين أطلقوا عبارة المغازي على السيرة شوهوا ديباجتها، وأعطوا الخصوم فرصة لربط الإسلام بالعنف. إن رسول الرحمة داعية، وليس غازياً.

إن ما قام به النورسي، وكولن، وغيرهما في تركيا، جهاد ساهم في هزيمة العلمانية المعادية للدين في تركيا، والخطوات الحميدة في رد تركيا إلى حضنها الإسلامي حيث ينتظرها دور كبير، سواء بقيت في آسيا أو انتمت لأوروبا، فالإسلام دين الإنسانية لا تقيده الجغرافيا.

ان عدم جدية الحكومة قد يكون هو الطريق إلى تدويل المسألة اليمنية، وهو ما رفضته الدول العربية من قبل، لكنها لن تستطيع مواجهة الضغوط الخارجية في المراحل المقبلة، وبالتالي على الدول العربية أن تساعد اليمن في مواجهة التنظيم، كي لا يحدث ما لا تريده، والأشهر المقبلة ستكون هي المحك في هذا الشأن.

رئيس وزراء السودان السابق

zakioffice@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات