منتدى دافوس بين تشخيص الأزمة ودعوة المقاربة

منتدى دافوس بين تشخيص الأزمة ودعوة المقاربة

خلال لقائه مع محطة (بي.بي.سي) الإخبارية عشية انعقاد منتدى دافوس، أواخر الشهر المنصرم، أطلق كلاوس شواب، مؤسس المنتدى ومديره التنفيذي، صيحة تحذير قوية، إلى العالم أجمع، من ثورة الفقراء.

لافتاً نظر أكثر من ألفين وأربعمئة من كبار المتنفذين في المجالات المختلفة: السياسة والاقتصاد والإعلام والطب والعلوم والثقافة، ممن حضر المنتدى من دول عديدة، إلى أن العالم يتجه نحو أزمة اجتماعية خطيرة بسبب انهيار منظومة القيم والقواعد التي تحكم عمل المؤسسات الدولية.

يرى شواب أن النظام القيمي والقواعد المنظمة لعمل المؤسسات الدولية قد أصبحت لا تكفي للوفاء باحتياجات الناس في القرن الحادي والعشرين.

ويعتقد أن أبعاد الأزمة الاجتماعية التي توشك أن تمسك بتلابيب العالم ترجع إلى أزمة الثقة في القيادات، وهو في هذا الاستنتاج يستند إلى نتائج استطلاع للرأي أجراه المنتدى، وشمل أكثر من مئة وثلاثين ألف شخص أكدوا أن الشعوب لا تثق بقادتها سياسيين كانوا أم اقتصاديين، ومن ثم، تبعاً لذلك، لا تثق بجدوى السياسات التي يرسمها وينتهجها هؤلاء القادة.

اللقاء الأخير في دافوس يأتي في ذكرى مرور أربعين عاماً على تأسيس هذا المنتدى، وفي ظل واحدة من أكبر المآسي التي مر بها شعب في العصر الحديث وهي كارثة الزلازل في هاييتي التي كشفت عيوب النظام الدولي وهشاشة قدراته في مواجهة تداعيات أزمات من هذا الشكل وبهذا الحجم.

وتأتي كذلك في ظل تزايد حدة الفقر ودخول مصطلح جديد في المعجم السياسي وهو مصطلح (الدولة الفاشلة) وظهور مؤشرات على تراجع أداء كثير من اقتصادات دول العالم وخاصة في إفريقيا كما رصد ذلك صندوق النقد الدولي.

منتدى (دافوس) لا يصدر عنه قرارات ملزمة، إلا أن أهمية انعقاده السنوي تبرز في التأثير الذي تحدثه الجهات القادرة على ممارسة الضغوط المالية على صناع القرار السياسي بطريقة ناعمة وغير مباشرة، بعيداً عن الاستعراضات الإعلامية التي قد تتسبب في ردود أفعال سلبية.

رصد المراقبون لمجريات الأمور في المنتدى ما أسموه عودة المنتدى إلى نهجه، الذي تأسس وفقه ومن أجله، وهو التركيز على القضايا المالية والاقتصادية التي تهم العالم، والتنبيه إلى ما قد يعتورها من سلبيات قد تضر بالنظام الرأسمالي العالمي بعد أن أبعدته الطروحات السياسية في السنوات السابقة عن هذا النهج.

والحقيقة إن هذه الملاحظة ليست في محلها، وذلك لأن المدخل الحقيقي والرئيسي في السياسة العالمية هو الاقتصاد الذي في ضوء أبعاده ترسم الإستراتيجيات وتوظف أدوات التنفيذ للحفاظ على مصالح الدول، كبيرها وصغيرها.

كما أن الأزمة المالية التي يمر بها العالم، منذ أواخر عام 2008، مدعاة لأن تكون العناوين الرئيسية في أي لقاء كبير وهام، بحجم منتدى دافوس، أميل إلى التأطر بقضايا المال والاقتصاد وليس بغيرها.

لعل أبرز ما ورد في هذا اللقاء، هو طروحات الرئيس الفرنسي نيقولاي ساركوزي الجريئة والتي لا تتهم القيادات السياسية والاقتصادية بالتقصير، كما فعل مؤسس المنتدى، وإنما ترى العيب في النظام العالمي نفسه.

فقد أكد ساركوزي على ضرورة إعادة النظر في اتفاقية « بريتون وودز « التي تحكم النظام المالي العالمي، وهو طرح كرره في مناسبات سابقة، وقد لقي، في هذا الطرح، دعم رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون.

من المعلوم أن اتفاقية «بريتون وودز»، التي عقدت عام 1944، بُعيد الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة، في الغابة التي حملت الاتفاقية اسمها، قد وضعت الأسس للنظام المالي العالمي لتحديد العلاقة بين حاجيات الناس وبين المتطلبات الضرورية للحفاظ على النظام الرأسمالي.

حيث منحت هذه الاتفاقية العملة الأميركية ميزة خاصة حين من جعلت الدولار عملة مرجعية في التعاملات الرسمية، وفي التحويل من عملة إلى أخرى، وأناطت الكثير من مهام النظام المالي العالمي بمؤسستين تم إنشاءهما، وهما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وذلك لضمان الاستقرار الاقتصادي وتفادياً لتكرار حدوث الكساد الكبير الذي أحاق باقتصادات الدول الكبرى في ثلاثينيات القرن المنصرم.

لقد مر على عقد تلك الاتفاقية ما يزيد على الستين عاما، شهد العالم فيها الكثير من التقلبات السياسية والاقتصادية، وتعرضت سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى الكثير من النقد، واعتبرها البعض إحدى أسباب زيادة الفقر في العالم، بسبب الشروط التي تضعها على الاقتراض الذي تتقدم به الدول النامية.

ولم تستطع هذه الاتفاقية من خلال الأطر الفكرية التي تبنتها، ومن خلال الأدوات التنفيذية التي خلقتها القيام بواجباتها الأساسية، التي أنشئت من أجلها وهو تجنب حصول أزمة اقتصادية في العالم.

وأضافت ظاهرة العولمة، التي بدأنا نشهد سطوتها وقدرتها على التأثير في الكيانات المجتمعية عبر التأثير على البنى الاقتصادية والثقافية والفكرية منذ عقدين من الزمن، المزيد من التعقيد على المعادلات السياسية والاقتصادية في العالم.

حيث تحررت التجارة العالمية من بعض القيود، وأصبح انتقال رؤوس الأموال من مكان إلى آخر أمراً سهلاً، وأصبحت الدول النامية ضحية لذلك، حين تسللت مواردها الطبيعية عبر الحدود لتصبح أرقاماً متواضعة في مصارفها وأرقاماً كبيرة في مصارف الدول الكبرى.

التي مارست المزيد من الضغوط على هذه الدول، عبر المؤسسات المالية التي تسيطر عليها، من أجل تقليص مساحات الدعم المالي الذي تقوم به للحاجات الأساسية التي تتعلق بمعيشة مواطنيها في مجالات الوقود والغذاء والتعليم.

والحقيقة أن تحذير شواب يأتي في محله خاصة وأن عدداً من الدول الفقيرة قد أصبحت بؤر عنف يهدد بالانتشار، وأصبحت الحركات الأصولية تجد في أجوائها مناخاً ملائماً للتبشير برسالاتها.

وتجد في أرضها بيئة خصبة لتفريخ وتجنيد أفراد جاهزين للانخراط في تنفيذ عمليات عنف غير مسبوقة، في هذه الأماكن وفي غيرها، مما يجعل من ظاهرة الفقر وتردي الأوضاع المعيشية مشكلة تهم العالم أجمع.

الحديث عن الفقر والجوع في العالم يثير الرعب حقاً، إذ إن نصف سكان العالم، أكثر من ثلاثة بلايين شخص، يعيش تحت خط الفقر، يعيش على دخل يقل عن دولارين يومياً، كما يعيش ما يقدر ب 80% من سكان العالم على دخل يقل عن عشرة دولارات يومياً.

ووفق ما نشرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) فإن 25 ألف طفل يموت يومياً بسبب الجوع، معظمهم في القارة الإفريقية، بعيداً عن أنظار العالم في قرى وقصبات نائية، لا تتوافر في أجوائها أبسط الضروريات لإدامة حياة الإنسان.

منتدى دافوس استمع إلى صوت إفريقيا، واستمع كذلك لأنين جياعها، وصيحة مؤسس المنتدى وتحذيره من ثورة الجياع، تعتبر أبلغ تشخيص لخطورة أزمة قادمة، فهل يستطيع المجتمع الدولي تفهم ذلك؟ وإن استطاع، هل يتمكن من مقاربتها بتقديم بعض ما يشفي؟

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات