الغرب والصين «الصاعدة»

الغرب والصين «الصاعدة»

يشكل الصينيون منذ فجر التاريخ حوالي خمس سكان العالم. ومنذ القديم يرى الغرب في الصين مصدر «الخطر الأصفر».

إنها تخيفه وهي في حالة سباتها، فكيف وقد استيقظت؟ خشية الغرب من الصين «مزمنة» إذن، لكنها اليوم تتعاظم بفعل مجموعة من المعطيات الراهنة، التي تدلّ كلّها على أن «المارد الأصفر قد خرج من القمقم»، وأعلن أن له كلمته على مسرح العالم، وله مصالحه الاستراتيجية وأنه يريد الدفاع عنها.

المجتمعون في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي قبل أيام، اتفقوا على القول إنه في الوقت الذي لا تزال فيه رياح الأزمة المالية العاتية، التي انطلقت في خريف عام 2008، تعصف ـ إلى متى؟ ـ بأوروبا والولايات المتحدة، تابعت الصين وبعض البلدان الصاعدة الأخرى مسيرة نموّها، وكأن الأزمة قد أصبحت من متاع الماضي.

رقمٌ واحدٌ يقول الكثير بهذا الصدد، وهو أن ثلاثة أرباع النمو الاقتصادي العالمي في عام 2009، جرى تحقيقه حول قطبي شنغهاي الصينية وبومباي الهندية.

وجملة واحدة قالها لاري سومرز، مستشار الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لخّص فيها قلق الغرب من تغيّر موازين القوى في العالم، عندما اعترف بأن الحدث الأكثر أهمية في ربع القرن الأخير، لن يكون الأزمة المالية العالمية ولا سقوط جدار برلين، ولكنه بالأحرى الثراء السريع لجزء من العالم.

والصين لم تعد تقبل بمجرّد أنها «ورشة العالم»، كما أراد لها الغرب، ولكنها تريد أن تصبح أيضا «مختبره» في مختلف ميادين البحث والاكتشاف. العديد من المعلّقين أشاروا إلى تراجع الغربيين في عدّة ميادين كانوا السبّاقين فيها حتى وقت قريب، بينما تتقدم الصين.

هكذا مثلا في الوقت الذي أعلنت فيه الولايات المتحدة أنها لم تعد مهتمّة بإرسال بعثات إنسانية إلى كوكب القمر بسبب الكلفة الباهظة، أكّدت الصين أن فريقا من الصينيين يُفترض أن يصل إلى هذا الكوكب في أفق عام 2025، وربما قبل هذا التاريخ بكثير.للإشارة، الهند لديها أيضا برنامج شبيه للمشروع الصيني وللفترة نفسها.

وملف آخر تتخذ حياله الصين، ومعها الدول الصاعدة الأخرى، موقفا مغايرا لما يقترحه الغربيون، وهو ملف سخونة المناخ والاحتباس الحراري. أغلبية البلدان الغربية تريد إطارا ضيّقا تجرى فيه مفاوضات التصديق على «اتفاق كوبنهاغن»، والوصول إلى معاهدة دولية حول المناخ في أفق نهاية العام الجاري 2010.

الصين والبلدان الصاعدة الثلاثة الكبرى الأخرى، أي الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، تطالب بأن تكون الأمم المتحدة هي إطار المفاوضات المعنية.

في مثل هذا السياق من التوجس وتلبّد أجواء العلاقات بين الغرب والصين، جاء إعلان وزارة الدفاع الأميركية قبل أيام عن صفقة بيع أسلحة لتايوان بقيمة 4،6 مليار دولار، وتشمل صواريخ باتريوت وسفنا كاسحة للألغام في أعماق البحار، وطائرات عمودية «بلاك هوك».

وكانت إدارة بوش السابقة قد سمحت بصفقة مماثلة في شهر أكتوبر من عام 2008.

التذكير ببعض المحطات الرئيسية في العلاقات الأميركية ـ الصينية، قد يلقي الضوء على الحاضر. فقد كان الرئيس الأميركي ريشارد نيكسون زار الصين للمرّة الأولى من قبل رئيس أميركي، في عام 1972. كان هنري كيسنجر هو «مهندس» تلك الزيارة.

وفي مطلع عام 1979 قام رجل الصين القوي آنذاك دينغ هسياو بينغ، بزيارة رسمية للولايات المتحدة اعترفت واشنطن يومها بوجود «صين واحدة» هي جمهورية الصين الشعبية. عنى ذلك غياب الصين الوطنية ـ تايوان ـ من القاموس الرسمي الأميركي.

ثمّ سار قطار العلاقات الصينية ـ الأميركية والغربية عامّة، في اتجاه «التطبيع» ثمّ التوثيق»، على قاعدة المصالح المتبادلة.وفي سياق من التقارب، تراجعت من الواجهة مقولة طالما كررها المحللون الغربيون، ومفادها أن «مضيق تايوان» يمكن أن يشكّل إحدى بؤر التوتر التي قد تنطلق منها شرارة حرب عالمية ثالثة.

الصين لا يبدو أنها مستعدة للمساومة حول هذه المسألة، فعبر مضيق تايوان يمر القسم الأكبر من مواد الطاقة الواردة إليها من مختلف أرجاء العالم. وهي لا تساوم أصلا على ضرورة عودة تايوان إلى «الوطن الأم».

هكذا لم يتأخر ردّها القوي والصاخب على الصفقة الأميركية، ووصفها بأنها «تدخّل مشين في شؤونها الداخلية»، وهددت بفرض عقوبات على شركات تصنيع الأسلحة الأميركية المعنية بهذه الصفقة.

والولايات المتحدة لم تتوقف من جانبها عن التأكيد على أنها لن تخلّ بالمواثيق التي قطعتها مع الجزيرة، الخاصّة بتأمين دفاعها. إن هذا يتماشى مع منظور استراتيجي أميركي لضمان نقاط استناد قويّة في المحيط الهادئ، وتأمين حماية حلفاء أميركا وفي مقدّمتهم اليابان.

لكن، وفي ما هو أبعد من الصفقات والملفات، يبقى الرهان الحقيقي هو تحديد موازين قوى العالم الآتي.. وبالتالي على الجميع أن يعيدوا حساباتهم على هذا الأساس.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr

طباعة Email
تعليقات

تعليقات