إيران ومنطقة الخليج العربي

إيران ومنطقة الخليج العربي

تتمتع إيران بثقل استراتيجي إقليمي هام في منطقة الشرق الأوسط، ويأتي ذلك من قوة مقوماتها في هذا العصر، فمساحتها شاسعة من بحر قزوين شمالاً إلى الخليج العربي جنوباً، ومن جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق شرقاً إلى تركيا والعراق غرباً. ويبلغ عدد سكان إيران اليوم أكثر من ستين مليون نسمة، وتتمتع بموارد هامة مثل النفط والغاز والزراعة.

وبذلك تكون إيران قوة إقليمية هامة، قياساً على الأوضاع المحيطة بها، لا بل قوة كبرى بالنسبة لدول الخليج العربية. وإذا فكرنا بالدروس التاريخية التي تتعلق بالبلدان النامية، ولا نقول المتخلفة، فإن هناك نتيجة تقول إن من يملك القوتين الاقتصادية والعسكرية من هذه الدول.

يفكر بالتوسع على حساب جيرانه الأضعف منه، وذلك يعني، خاصة بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، أن هناك مخاطر على المنطقة من تنامي قوة إيران، خاصة أن نهجها في الدولة الدينية غير ديمقراطي. وعلينا أن نفكر بصوت عال، وأن لا نخفي مخاوفنا وهواجسنا، لأن همّ بلداننا في منطقة الخليج مشترك.

ولا يمكن حل مشكلة الخوف من إيران، إلا بحل المشكلات المعلقة بين إيران ودول الخليج العربية خاصة، وبين إيران والدول العربية عامة، فما هي تلك المشكلات؟

أولاً؛ مسمي الخليج العربي: لقد سبق لنا أن نشرنا دراسة عن هذا الموضوع حول هل الخليج فارسي أم عربي؟ ملخصها أن التسمية غير فارسية بل يونانية أخذها الأوروبيون عنهم، وأن تسميات عدة أطلقت على الخليج منها الخليج العربي.

وأن إيران تصر إلى اليوم على تسميته بالفارسي، وان المصطلح يحمل مفهوم السيادة لكل الخليج بشاطئيه، وان الحل بتسميه ترضي العرب والإيرانيين، واقترحنا تسميته بالخليج العربي الإيراني.أما إذا أصرت إيران على الاستمرار في تسميته بالخليج الفارسي، فإن من حق العرب تسميته بالخليج العربي.

ثانياً؛ مسألة الحدود البحرية (الجرف القاري): يقع جزء مهم من إيران جنوباً على الخليج العربي، في مقابل دول الخليج العربية على الضفة الغربية للخليج، وهناك حدود بحرية لكلا الطرفين، وهي غير محدودة حتى الآن، من ضمنها جزر وآبار نفطية، وثروة سمكية، وتجارة دولية للدول المتشاطئة عبر العصور حتى يومنا هذا.

وقد شابت العلاقات الخليجية والعربية مع إيران مشكلات منذ أيام الشاه، وكان يفترض أن تحدد الحدود البحرية بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، وأن تتم تسوية المشكلات الأخرى بين الطرفين.لكن حتى وقتنا الحاضر، لا تزال المشكلة قائمة تنتظر الحل بالتراضي أو بالتقاضي.وتثير دول الخليج العربية هذا الموضوع بين الحين والآخر، دون أن تجد استجابة جدية من الجانب الإيراني.

ثالثاً؛ الجزر الإماراتية الثلاث: ففي عام 1971 أقدم شاه إيران محمد رضا بهلوي على احتلال الجزر الإماراتية الثلاث: أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى، مستغلاً سوء الأوضاع العربية بعد هزيمة 1967، وأيلول الأسود بين الفلسطينيين والأردن، ووفاة عبد الناصر 1970، وحداثه قيام اتحاد دولة الإمارات 1971.

وعندما قامت الثورة في إيران واستلمت السلطة عام 1979، أملت الإمارات والخليجيون والعرب عموماً، أن تعيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الجزر المحتلة إلى أصحابها، ولكنها أصرت على تكريس الأمر الواقع واعتبرتها كما اعتبرها الشاه «أرضاً إيرانية»! وستبقى هذه عقدة ومشكلة في العلاقات العربية الإيرانية، إلى أن يتم حلها.

رابعاً؛ الثورة والمذهبية الإيرانية: نعرف مدى حساسية هذه النقطة، ولكن تغييب الحقائق أمر مرفوض، كما أن مثل هذه الموضوعات أصبحت واقعاً يتناوله الجميع، ولأهميته وتأثيره لا ينبغي أن نتجاهله، ونضع رؤوسنا في الرمال.

لقد قامت الثورة في إيران في نهاية السبعينات من القرن العشرين، وانتصرت واستلم التيار الإسلامي الشيعي السلطة، واعتقد جناح منه أنها ثورة شيعية دينية لا تقف عند حدود إيران، وحصل صراع بين الثورة والدولة.

وساهمت الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات في تثبت النظام في إيران وليس العكس، كما أن تصدير الثورة ظل منهجاً للنظام في إيران، من منطلق الحفاظ على أمن الثورة وعلى النظام، وقد أدى ذلك إلى أمرين: الأول استنفار الشيعة في الدول المجاورة لإيران، وتشجيعهم على التعاطف مع النظام الإيراني من جهة، والتحرك ضد التهميش في بلدانهم كما يعتقدون.

والثاني، استفزاز التيار السني والأنظمة وتحركها لاحتواء آثار ذلك المد في المنطقة، وحصره في حدوده الطبيعة ضمن الخارطة الإيرانية.وشعرت دول الخليج العربية وشعوبها، بأن تحول ميزان القوى إقليميا هو لصالح إيران التي تسارع في بناء قوتها العسكرية والاقتصادية، وبذلك ستشكل خطراً على الاستقرار في المنطقة وتهدد أوضاعها.

وقد صاحب ذلك تغيير النظام في العراق وصعود التيار الشيعي إلى السلطة والمتحالف من النظام الإيراني، كما شكل ولا يزال حزب الله اللبناني قوة شيعية عسكرية وسياسية لا يستهان بها.

خامساً؛ المفاعلات النووية الإيرانية: تسعى إيران إلى بناء قوة نووية إيرانية تقول إنها للأغراض السلمية، ويقول الغرب وإسرائيل إنها تهدف إلى خلق قوة عسكرية نووية أخرى في المنطقة، بالإضافة إلى القوة النووية الإسرائيلية والباكستانية والهندية.

ولا نناقش هنا مدى أحقية إيران أو غيرها في المنطقة في امتلاك هذه القوة من عدمه، ولكن مدى تأثير ذلك على منطقة الخليج العربي.إن بناء قوة نووية إيرانية بالقرب من الخليج، لا بل على ساحل الخليج، يشكل خطراً على دول الخليج في كل الأحوال، سواء أخطار أي نشاط عسكري في المنطقة أو التلوث الذي يمكن أن تسببه هذه المفاعلات على مياه الخليج والثروة السمكية فيه.

فمياه الخليج التي تشكل الأساس كمصدر لتقطيرها وتحليتها من قبل دول الخليج العربي، مهددة بالإشعاع النووي الإيراني بالإضافة إلى المخاطر الأخرى.

وهناك مشكلات أخرى بين إيران والعرب، مثل الحدود العراقية الإيرانية ومياه شط العرب وغيرها، لكن أردنا، في هذا المقال، التركيز على المشكلات القائمة بين دول الخليج العربية وإيران.

وتبقى القضية الرئيسية أن إيران دولة مهمة في منطقة الشرق الأوسط، وهي مهمة لأمن منطقة الخليج العربي، وأن الأمن في هذه المنطقة والتنمية يتطلبان حل تلك المشكلات العالقة بين الطرفين، دول الخليج العربية وإيران، وأن تجاهل أو تأجيل حل تلك المشكلات ليس في صالح الطرفين.

ويبدو أن دول الخليج العربية مستعدة لذلك وتنتظر المبادرة الإيرانية، لأن الأمن والتنمية لا يتحققان في ظل الاحتقان والتوتر وتأجيل المشكلات أو تجاهل حلها.

كاتب كويتي

dr.tamimialek@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات