تحديات التحضر

تحديات التحضر

لا يمكن تجاهل التأثيرات السلبية واسعة النطاق للتوسع الحضري في العالم العربي، ففي الكثير من الدول العربية أصبحت المدينة هي المهيمنة على السياق الجغرافي، إلى الحد الذي تآكلت فيه المناطق الريفية، أو في أفضل الأحوال اختلطت بالمدينة وذابت في حدودها.

والمثال الأبرز هنا، هو توسع مدينة القاهرة والتهامها مساحات واسعة من المناطق الريفية المجاورة، الأمر الذي حدا بالبعض لأن يطلق عليها القاهرة الكبرى.

والخطورة في توسع مدينة القاهرة أنها التهمت المحافظات الأخرى المجاورة لها، وفرضت عليها خصوصيتها ونمط الحياة الخاص بها، في ظل ارتحال الملايين يوميا من هذه المحافظات إلى القاهرة ومغادرتها نهاية اليوم. فلم تعد هذه المناطق تحتفظ بسماتها الريفية المتعارف عليها، بقدر ما أصبحت مدنا هجينة تجمع بين الثقافات التقليدية وبصمة القاهرة الطاغية.

ويمكن تعميم نموذج القاهرة على العديد من العواصم العربية في شمال إفريقيا وغيرها من الدول العربية الأخرى، وإن بنسب متفاوتة. والملاحظ أن التوسع الحضري في الكثير من دول المنطقة، لا يرتبط بخطط تنموية صديقة للبيئة، بقدر ما يتسم بالعشوائية وهدر مساحات هائلة من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، إضافة للتلوث الهائل والنتائج السلبية الناجمة عنه.

فتحت ضغط الفقر في المناطق الريفية وقلة فرص العمل، إضافة للإغراءات الهائلة المرتبطة بالمدن، يهاجر الملايين من الريفيين بحثا عن فرص عمل جديدة. فالمناطق الريفية ومنذ عقود طويلة، مثلت مناطق طرد واسعة النطاق في العالم العربي، بينما تحولت المدن لمناطق جذب.

ولم تستفد المدن العربية من هذه الهجرة الريفية لأسباب عديدة، منها أن هذه المدن ذاتها مكتظة بسكانها وغير مهيأة لاستيعاب أية أعداد جديدة، كما أن معظم هذه المدن باستثناءات خليجية قليلة، هي مدن قديمة مثقلة ببنى تحتية مهترئة، على مستوى خدمات النقل وشبكات المياه والكهرباء والمدارس والجامعات والمستشفيات.

ولعل من أكبر التحديات التي تواجه المدن في العالم العربي، الارتفاع الهائل في نسب البطالة، الأمر الذي ينتج عنه ضعف الإنتاجية وارتفاع نسب الجرائم، إضافة لازدياد مساحة الأعمال الهامشية.

كما ترتبط المدينة العربية المعاصرة، وفي تلاقٍ مع الهجرة الريفية إليها، بارتفاع غير مسبوق في أعداد المناطق العشوائية، التي أصبحت مأوى للفقراء والأعمال غير المشروعة، إضافة لانتشار الأفكار المتطرفة، حيث تعتبر هذه المناطق حاضنات نموذجية لكل ما هو خارج عن القانون ومراقب من السلطة.

كما أن المدينة العربية في توسعاتها الهائلة، اتسمت بمركزية الخدمات؛ فمعظم الجامعات الوطنية والمصالح الحكومية والوزارات والمطارات ومراكز الترفيه المختلفة، إضافة لخدمات الاتصال وعلى رأسها الإنترنت، متوفرة في هذه المدن، وعلى حساب المناطق الريفية أو النائية الأخرى.

ورغم توفر المواهب في المناطق الريفية، إلا أن المدينة فقط هي التي تمنح الفرصة للذيوع والانتشار في كافة المجالات والأنشطة، فما من كاتب أو موسيقي أو رياضي، يمكنه الانتشار والذيوع إلا عبر المدينة والخدمات المرتبطة بها.

وكما تحكمت المدن العربية في الخدمات المختلفة واستأثرت بمعظمها، فإنها لعبت أيضا دورا كبيرا في تشويه بنية القيم لدى المهاجرين إليها؛ فالريفي المهاجر لم يعد ريفيا، كما لم يشعر أيضا أنه ابن للمدينة العربية يستطيع العيش فيها بأطره السابقة المحافظة والتقليدية. كما أنه لم يكتسب كلية قيم المدينة واندفاعاتها وتوحشها الذي لم يعتد عليه من قبل.

من هنا فمعظم المهاجرين من الريف قبلوا العيش في مناطقهم المعزولة والنائية، على أطراف المدن والعواصم العربية المختلفة، في مناطق أشبه بالجيتوهات، حيث نقلوا عائلاتهم وأقاربهم وعاداتهم وتقاليدهم. وفي كلمة؛ فقد صنعوا ريفا جديدا لهم يستطيعون أن يتكيفوا من خلاله مع حصار المدينة وضراوتها.

العيش في المدن العربية، رغم جمالياته وعذوبته بالنسبة للبعض، عيش قاهر وضاغط بالنسبة للآخرين من ملايين الفقراء المهمشين. وهي مسألة يجب أن يهتم بها المسؤولون في الكثير من هذه المدن، من خلال وضع خطط للتنمية الحضرية، تراعي قدرة المدينة على استيعاب أي مهاجرين جدد، كما تراعي أيضا إعادة دمجهم بشكل جيد يكفل لهم المعيشة الكريمة.

إن ترك الملايين من ساكني المدن في العالم العربي يعيشون في أحيائهم العشوائية، مسألة على قدر كبير من الخطورة، بل قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أية لحظة، في وجه السلطات الحاكمة، الغائبة كلية عن رعاية هذه المناطق وتوجيه الرعاية اللازمة لها.

وتزداد خطورة هذه المناطق في ضوء ظهور أجيال جديدة وعديدة من أبناء المهاجرين، اكتسبوا شراسة الحياة في المدن، ووعوا حجم التفاوتات الطبقية بين الأغنياء والفقراء، مع ما يرتبط بذلك من حرمان وعوز. كما أن هذه الأجيال، وعلى العكس من آبائهم الأوائل من المهاجرين، حاصلون على شهادات جامعية لم تحسن من أوضاعهم، بل زادتهم إحباطا.

تثير التحديات الحضرية مخاطر عديدة في عالمنا العربي الراهن، وهي مخاطر لا تحاول السلطات الحاكمة الاقتراب منها من خلال خطط تنمية شاملة، بل إن اللافت للنظر أن هذه السلطات تستثمر أكثر في مناطق الأغنياء، وتمنحهم العديد من الامتيازات التي تزيد من حدة الكراهية والحقد والإحباط في مجتمعاتنا العربية، وتؤذن بحالة من الاضطرابات المتوقعة.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات