أميركا وتوقعات المستقبل

أميركا وتوقعات المستقبل

تبدو حالة الاتحاد الأميركي قاسية بكل معنى الكلمة، ويتواصل الانهيار الاقتصادي الناجم عن انفجار فقاعة الإسكان في التسبب بخسائر فادحة.

وبحسب ما تشير الإحصاءات، فإن واحدا من بين كل خمسة أميركيين عاطل عن العمل، أو يعمل بعض الوقت. وهذا يعني أن الأجور بدأت تفقد الأرضية التي ترتكز عليها. ويبدو واحد من بين كل ثلاثة منازل عليها رهانات عقارية غارقا بالديون. ويوشك ملايين الأميركيين على أن يفقدوا منازلهم،وهذا سيؤدي إلى ضياع العائلات وتشريد الأطفال.

وقد نجحت الجهود اليائسة في الحفاظ على النظام المالي في حالة سليمة، ومنع سقوطه. وأمكن إنقاذ البنوك الكبيرة، حيث أصبحت أكثر تركيزا في إدارة أعمالها من أي وقت مضى، لكنها لم تنجح في إزالة التلبد في عمليات التمويل. فالشركات الصغيرة لاتستطيع الحصول على قروض، وملاك المنازل لا يستطيعون تعديل رهاناتهم العقارية. والتمويل هو بمثابة الدم الذي يجري في العروق بالنسبة للاقتصاد، وعند حدوث تجلط أو تلبد، يخفق الاقتصاد في تحقيق أي نجاح، ويعاني الناس كثيرا.

ويجادل الجمهوريون بأن خطة الإنقاذ التي طرحها الرئيس الأميركي باراك أوباما قد فشلت، ثم يقدمون وصفة بالسم الذي تسبب في الانهيار الاقتصادي بالدرجة الأولى. ويطالبون بإجراء مزيد من التخفيض على الحد الأعلى من الضرائب، وبمزيد من الاستقطاع في الأعمال، ومزيد من التحرر الاقتصادي وعدم الانضباط. وحاولت إدارة الرئيس السابق جورج بوش خفض الضرائب، لكن ذلك لم يؤد إلى شيء.

والواقع يقول إن خطة التعافي الاقتصادي ولّدت أو وفرت ملايين الوظائف، وحالت المساعدات المالية المقدمة للولايات الأميركية دون تسريح أعداد كبيرة من المدرسين ورجال الشرطة، كما ساعد الإنفاق على البنية التحتية والاستثمارات في الطاقات الجديدة البديلة، على توفير مزيد من الوظائف الجديدة. وأدى توسيع نطاق فوائد البطالة، ودعم مدفوعات الرعاية الصحية، ومنح كوبونات الغذاء، إلى ضخ الأموال في جيوب أكثر الأميركيين احتياجا.

والمشكلة في خطة أوباما، بحسب ما يؤكد أي خبير اقتصادي نزيه، أنها غير كبيرة بدرجة كافية. فالانهيار الاقتصادي أعمق بكثير من أي حجم توقعه خبراء الرئيس الأميركي الاقتصاديون.

ويشعر الأميركيون بالتشوش والغضب، فهم يرون عجزا اقتصاديا كبيرا ماثلا أمامهم، ويعتقدون أن الأموال تذهب إلى «وول ستريت». وهناك أزمة ثقة في الاقتصاد الأميركي، ومخاوف ساحقة مما يخبئه المستقبل الآن.

ونحتاج من الرئيس أوباما إلى أن يقود الزنوج، ويتخلص من القادة الزائفين. يجب أن يحدد ما الذي يتعين فعله، وأن يحشد الشعب الأميركي وراءه، وأن يجعله يشاطره العمل.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أعضاء الكونغرس المستقلين في الولايات المتحدة، يشعرون بالحنق الشديد نتيجة العجز الاقتصادي، ولهذا السبب تتحدث واشنطن عن خفض العجز. ويتساءل أحد الشعارات: لو توقعنا أن توازن العائلات ميزانياتها في الأوقات الصعبة، أليس على الحكومة الأميركية أن تفعل الشيء نفسه؟

هذه كذبة كبيرة، لأنه عندما يجري كل شخص تخفيضات على ميزانيته، فإن على الحكومة أن تتقدم وتقوم بتشغيل الناس. وهذا يستلزم حصول عجز اقتصادي، لأن عائدات الضرائب تكون منخفضة، بينما ترتفع النفقات المخصصة للبطالة وكوبونات الأغذية.

والحقيقة المجردة هي أنه لا يمكن إيجاد توازن في الميزانية بدون تحقيق نمو اقتصادي، وأية محاولة للقيام بذلك الآن سوف تعمق الانكماش الاقتصادي، وما أن يعود الأميركيون للعمل حتى ينتعش الاقتصاد الأميركي، وتنخفض النفقات الطارئة. وبالإمكان اتخاذ خطوات لخفض العجز، ولكن تعتبر هذه مجرد حماقة يجب عدم ارتكابها قبل أن يعود الأميركيون إلى أعمالهم.

وإيجاد وظائف هو العمل الصائب الذي يمكن تحقيقه بالمعنى الإنساني، وهو أمر ضروري جدا في المنظور الاقتصادي. ويتعين علينا بناء الاقتصاد الجديد من خلال إيجاد عمل لكل أميركي يرغب في العمل، لا أن ندين العائلات الأميركية ونقودها إلى حافة اليأس، في الوقت الذي ندعي فيه أن الاقتصاد الأميركي سليم. آن الأوان للمطالبة بجسارة، بإعادة الأميركيين إلى العمل.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات