ضرورات التغيير في المؤسسات الإعلامية ـ د. هيام عبد الحميد

ضرورات التغيير في المؤسسات الإعلامية

تمر المؤسسات الصحافية منذ وقت طويل بحالة من البحث الدائم عن جواب لسؤال يؤرقها ويشغل حيزا كبيرا من اهتمامها وهو(ماهو التعريف الحقيقي للصحافة الجيدة)؟

وفي خضم هذا البحث وصل بعض القائمين على بعض هذه المؤسسات الى قناعة مفادها ان الصحافة الجيدة هي تلك التي يحبها الناس والتي يجدون فيها انعكاسا لحياتهم اليومية.

وهي الصحافة التي تقدم دوما المعلومة التي تعينهم على اتخاذ قراراتهم في الحياة الواقعية التي يعيشون تفاصيلها يوميا. فالقارئ، كما تبين لهم، يندفع صوب الصحيفة التي يجد فيها شيئا له، صوتا يخاطبه هو تحديدا وليس صوتا يخاطب الآخرين.

وكانت هذه القناعة هي التي دفعت كبريات الصحف إلى نبش المجتمعات التي تصدر فيها نبشا دقيقا كاشفة عن كل التفاصيل المتعلقة بالتوزيع الديمغرافي والجغرافي للقراء.

وكانت النتائج التي تتوصل اليها الدراسات التي تصب في هذا المضمار تشكل القاعدة الأساسية للقرارات التي تتخذ في الصحف ليس فقط في المحتوى الصحافي المطلوب بل وفي الكوادر المناسبة العاملة في المؤسسة بكافة أقسامها من تحرير وإعلان وتوزيع ومطابع واشتراكات وشؤون موظفين وشؤون مالية وإدارية وأقسام فنية وغيرها.

وأكبر نموذج على ذلك ما حدث في الصحافة الأميركية التي أخذت تخاطب اليوم نمطا مختلفا من القراء غير النمط المعتاد لسنوات مضت. كان القارئ الأميركي الذي تتعامل معه الصحف الأميركية سابقا هو الرجل الأبيض رب الأسرة ورجل الأعمال المحب للألعاب الرياضية من جولف وتزلج والمتابع لأخبار الرياضة والاقتصاد.

إلا ان هذا النمط أخذ يتغير تدريجياً مع زيادة وارتفاع نسبة الأقليات التي تسكن أميركا من أصول افريقية ولاتينية وأسبانية وشرق أوسطية.

اكتشفت الصحف يومها انها اذا ما استمرت في مخاطبتها لنمط الرجل الأبيض متجاهلة النمط الجديد الذي أخذ يغزو المجتمعات الأميركية فإن مصيرها الى زوال لا محالة لأنها ستكون قد أهملت بعدا استراتيجيا هاما وهو التنوع الديمغرافي الجديد الذي طال الاسواق. وبهذا الاهمال ستكون قد عرضت نصيبها وحصتها في السوق الى التآكل.

كان المعتقد السائد عند القائمين على المؤسسات الصحافية الأميركية هو ان هذه الأقليات لا تشكل هما ولا هدفا بالنسبة للمعلنين، فهي طبقات ذات دخل مادي ضعيف.

ولا تقبل أصلا على قراءة الصحف هذا إلى جانب ان مديري الصحف ورؤساء تحريرها هم من البيض ولا يدركون شيئا عن طبيعة وعادات هذه الأقليات خاصة العادات الشرائية منها ولا يعرفون كم هي نسبتهم على وجه التحديد.

الا ان نتائج التعداد الاحصائي وضع الصحف أمام تحد كبير عندما كشف عن حقيقة وهي ان الأشخاص المتحدرون من أصول لاتينية في اميركا قد ازدادت نسبتهم بحوالي 85% في السنوات من 1990 الى 2000 في حين زادت نسبة السود بنحو 16% مقابل 84% هي نسبة زيادة الأميركيين من أصول آسيوية في نفس هذه المدة. كما وجد ان هذه الزيادة تحتوي على نسبة كبيرة من الشباب وصغار السن أي الجمهور الأهم للصحف مستقبلا.

وكانت هذه الإحصائيات قد قلبت الكثير من الموازين والقرارات عند القائمين على المؤسسات الإعلامية بكافة أشكالها من صحف ومحطات تلفزة وراديو وغيرها.

وانطلاقا من نتائج التعداد السكاني أخذت الصحف تجري بحوثا خاصة بها متعلقة بعادات وأطباع هذه الأقليات الشرائية والقرائية، ما الذي تريده هذه الأقليات من محتوى صحافي؟

ما الذي لا يحبذونه وما الذي يفضلونه؟ ووجدوا مثلا ان الأقليات تهتم تحديدا بأخبار ومواضيع الصحة والأكل والموضة والسفر وأخبار المجتمع وأخبار وحكايات الأشخاص العاديين خاصة الذين يعرفونهم.

وكانت المفاجأة التي فجرتها دراسة اجرتها (ريدر انستيتيوت) على عينة من الصفحات الاولى لنحو 700 صحيفة أميركية عام 2002 وجدت ان صور وأخبار الأقليات لا تزيد على 18% فقط من بينها صور وأخبار لحوادث إجرامية و9% لأخبار رياضية.

كانت الرسالة التي استشفها مسؤولو الصحف في ذلك العام واضحة وهي ان الصحف اذا ما أرادت زيادة نسبة قرائها من الأقليات فلابد من تغيير استراتيجيتها بخصوص المحتوى الصحافي الخاص بهذه الأقليات.

لابد من التحول من تغطية الأحداث الخاصة بهم والمقتصرة على أخبار الجرائم والسرقات والمصائب إلى نشر الأخبار التي تهم هذه الأقليات وتحوز على اهتمامهم.

بمعنى آخر لابد من تغيير المنظور الذي تنطلق منه الصحافة والذي تتعامل به مع هذه المجموعة إلى منظور آخر وهو التعامل معهم كشريحة هامة في السوق الإعلامي والإعلاني.

لم يكن الهم الأوحد للصحف حينها منصبا على المحتوى الذي يتناسب مع حاجات شريحة القراء هؤلاء بل حتى في تغيير سياسات البيع والتوزيع والإعلان وحتى العاملين داخل المؤسسات الصحافية.

أخذت بعض الصحف الأميركية تعمل على زيادة نسبة الأقليات العاملين فيها انطلاقا من فلسفة ان الصحافيين اذا ماجاؤوا من أصول مشابهة للقراء فإن مساحة النجاح في تحرير مادة تتناسب مع حاجاتهم واهتماماتهم ستكون أفضل وأوسع.

قامت صحيفة (نايت ريدرز) بوضع هدف استراتيجي أمامها وهو توظيف قدر معقول من الأقليات داخل المؤسسة استجابة لحاجة القراء وللتأقلم عمليا مع النمط الجديد للقراء في أميركا.

وفي عام 2002 بلغت نسبة الأقليات العاملة في الصحيفة نحو29% فيما بلغت نسبة المديرين والمسؤولين منهم نحو 18% وفي نفس العام كان عدد الناشرين المنتمين لمجموعة (نايت ريدرز) من الاقليات 3 ناشرين الى جانب اثنين من المديرين التنفيذيين فيها.

خلاصة القول: إن التغيير في المؤسسات الإعلامية والصحافية على وجه التحديد يتطلب أحيانا تغييراً جذريا يقوم في الأساس على فهم حقيقي لمعنى ومغزى التغيير وأهدافه.

وتكون بعض المؤسسات على استعداد للذهاب في هذا التغيير إلى مداه الأبعد، ولكن الأهم ان تكون هناك دراسات وبحوث تنظر بأسلوب علمي في الهدف والمدى الزمني المطلوب حتى يكون التغيير بأقل الخسائر الممكنة.

Heyamm@albayan.ae

مديرة ادارة التطويرـ البيان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات