الدستور - الاردن

مؤشرات ايجابية للانتخابات العراقية

بغض النظر عن الوضع السائد في العراق وتعقيداته الكثيرة فإن نتائج الانتخابات التشريعية في العراق اظهرت الحجم الطبيعي للقوى السياسية على الساحة العراقية مع الاخذ في الاعتبار العوامل المذهبية والعرقية والعشائرية التي اثرت في النتائج بطبيعة الحال من دون ان تحدث شرخاً اضافياً في الجسم الممزق نسبياً كنتيجة منطقية لسقوط النظام الذي فرض بواسطة ادواته الصارمة العلاقات المختلفة في اطار الدولة.

ومع ان العراقيين الذين تعايشوا على الدوام في نطاق وطن له حدوده السياسية والجغرافية المتفاهم عليها اقليمياً ودولياً لم يخرجوا بعد وليس متوقعاً ان يخرجوا من تلك الحدود الى اي مكان آخر، فلا الاكراد قادرون على اقامة دولتهم الممتدة في الحدود التركية والايرانية، ولا الشيعة مستعدون ليصيروا جزءاً من الامة الايرانية بحكم المذهب، فهم والسنة عراقيون ينتمون للأمة العربية وينتمون لبلد له قيمته التاريخية والحضارية والاقتصادية بين الدول فلماذا يتخلون عنه او ينقلبون عليه؟

العراقيون سنة وشيعة واكراداً وغيرهم من اخوانهم المسيحيين يثبتون كل يوم انهم متمسكون ببلدهم، عاملون على بنائه من جديد وفق قواعد جديدة تضمن تمثيل الاطياف كلها في الحياة السياسية، كل ذلك على امل ان تتراجع تلك الحسابات التي تقتضيها طبيعة المرحلة لصالح الانتماء لدولة القانون والمؤسسات التي يكبرون بها بقدر تعظيمهم لها وصونهم لمنجزاتها ودفاعهم عنها ونهوضهم بها.

لذلك فإن قراءة نتائج الانتخابات من زاوية الفوارق النسبية بالفوز بعدد اكبر او اقل من مقاعد المجلس الوطني لا يعني وجود تفاوت في تحقيق مصالح جماعة على اخرى، ولن يتسنى للأغلبية - وهي ليست مطلقة على اي حال - ان تستأثر بالسلطة وتعزل الجماعات الصغيرة، فتلك ليست الغاية من الانتخابات، وليس من شأن ممثلي الشعب اثارة الخلافات والنزعات الاقليمية والمذهبية بل على العكس من ذلك تماماً اي العمل على توثيق عرى الوحدة الوطنية والتعاون في سبيل مناقشة القوانين والتشريعات التي تحتاجها البلاد لكي تقيم نظامها السياسي الجديد على اسس من الحرية والديمقراطية واحترام الآراء على اختلاف مقاصدها.

قد يبدو العراقيون السنة في وضع افضل من ذي قبل خاصة وانهم قد ادركوا في الوقت المناسب اهمية المشاركة في العملية السياسية، ولكن الشيعة ليسوا نقيض السنة ولا يوجد بينهما تناقض جوهري رغم الخلافات القائمة في مستوى التعامل مع مرحلة ما بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين، واكبر دليل على ذلك هو ان جميع المحاولات اللئيمة التي استهدفت اشعال نار حرب طائفية اطفأها الجانبان معاً رغم ان محاولة واحدة منها كانت كافية لاشعال حرب بين دول، وهذا يعني ان جميع الفئات العراقية واعية بطبيعة ما يجري على الارض وما يحيط بها من امتدادات اقليمية ومعادلات دولية، وهي تراهن اليوم على وجودها ومستقبل اجيالها وما من خيار آخر كما هو واضح للاطراف جميعها.

ليست الانتخابات التشريعية نهاية المطاف في مسلسل الاستحقاقات الواجبة على العراقيين كي يقدموا اسهامهم لانهاء مبررات وجود القوات الاجنبية، بل انها بداية الطريق نحو المرحلة الاكثر صعوبة والاختبار الحقيقي لمدى قدرة العراقيين على تجاوز الفترة الانتقالية بنجاح، وهذه ليست مجرد عملية سياسية فحسب وانما هي صراع حاسم ضد القوى التي تريد ان تجعل من الفوضى غابة تختفي في ادغالها، ولذلك فإن وحدة ممثلي الشعب العراقي هي احد اسلحتهم الفاعلة لتحقيق الامن والاستقرار والازدهار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات