الهجرة سيف ذو حدين ـ د. ناصيف حتّى

الهجرة سيف ذو حدين

يقول تقرير صادر نهاية العام الفائت عن اللجنة العالمية للهجرات الدولية إن عدد المهاجرين في العام الماضي بلغ مئتي مليون مهاجر، أي بنسبة ثلاثة في المئة من سكان العالم. والولايات المتحدة هي أول بلد متلق للهجرة.

أما الصين الشعبية فهي أكبر بلد مصدِّر للهجرة. ويلحظ التقرير أيضاً أن الهجرة شكْلت في العشرية الأخيرة من القرن الماضي تسعة وثمانين في المئة من النمو الديمغرافي في أوروبا. فمن دون الهجرة كان سكان أوروبا سيتناقصون بحدود أربع ملايين ونصف من البشر.

نشير إلى هذه الإحصاءات للدلالة على أن الهجرة صارت من أهم سمات هذا العصر على كل الأصعدة، الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والتنموية بالنسبة للدول المصدرة، وكذلك بالنسبة للدول المتلقية.

فحركة الاندماج الاقتصادي في العالم وكثافة التفاعلات الدولية والعابرة للدول وتنوعها، وكذلك ثورة الاتصالات التي كلها من مؤثرات العولمة المتسارعة والمتزايدة، هذه العناصر مجتمعة تحمل مفارقة مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بالهجرة. فالعولمة سهّلت كثيراً من جهة الهجرة كحركة انتقال للبشر في الجغرافيا الدولية.

ولكنها سمحت للمهاجر من جهة أخرى بعدم قطع أواصر الصلة مع جذوره، ليس فقط على المستوى العاطفي أو الوجداني أو الثقافي، بل أيضاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.

وحتى السياسي إذ سمحت العولمة للهجرة بأن تكون جسراً قوياً ومستمراً للتفاعلات الإيجابية والسلبية وللاختراق المجتمعي المتبادل بين المجتمعات المصدرة، وتلك المتلقية للهجرة، مما أوجد مجتمعات عابرة للدول بتنوع وتوزع اهتماماتها قادرة على أن تكون مساحات توتر أو مساحات تواصل بين مختلف المجتمعات.

فإذا سمحت الهجرة بمواجهة التناقص الديمغرافي أو مشاكل الهرم الديمغرافي من حيث هيكل الإعمار ونسبة القوى المنتجة إلى عدد السكان في الدول المتقدمة.

وهي المتلقية، وضخت دماء اقتصادية وثقافية جديدة في هذه الدول، فالهجرة أيضاً ساعدت من حيث تحويلات المهاجرين إلى أن تكون «أداة قوية في النضال ضد الفقر»، كما يقول البنك الدولي، إذ يكفي أن يوجه المهاجرون عشرين في المئة من دخلهم إلى بلدانهم الأم، للإسهام في محاربة الفقر في هذه البلدان.

ويلحظ تقرير اللجنة العالمية المشار إليه سابقاً إلى أن الأموال المحوّلة من المهاجرين إلى بلدانهم الأم عام 2004 وهي بحدود مئة وخمسين مليار دولار تساوي ثلاث مرات حجم المساعدات الرسمية للتنمية، وقد بلغت هذه التحويلات 167 مليار دولار عام 2005.

لكن ظاهرة الهجرة وازدياد ضغوطها ومحاولات تنظيمها عبر الهجرة الانتقائية أو النوعية حسب حاجات البلدان المتلقية وازدياد حجم الهجرة غير الشرعية والمآسي التي تولدها هذه الأخيرة كل يوم وازدياد التوتر على خطوط تماس الهجرة غير الشرعية سواء على الحدود الأميركية المكسيكية أو الحدود الإسبانية المغربية وهي حدود في الحالتين تفصلان بين أكثر من دولتين.

حدود تفصل بين عالمين مختلفين في مستوى نموهما وتقدمهما الاقتصادي. كل هذه العناصر تكشف طبيعة العلاقات السائدة بين الشمال والجنوب والتوتر المكتوم حيناً والمتفجر أحياناً في نزاعات وخلافات سياسية واقتصادية يعبر عنها بأشكال مختلفة ومنها أشكال ثقافية بين العالمين.

فبعيداً عن التشوهات التي أصابت اقتصادات دول الجنوب لأسباب تاريخية استعمارية وبعيداً عن فشل العديد من الدول في الجنوب في عملية «الإقلاع التنموي» بسبب بعض النماذج التي جرى إسقاطها في هذه الدول كقوالب جامدة .

وجاهزة للتعامل مع اقتصادات الدول النامية أو الأقل نمواً مما زاد من التشوهات الاقتصادية الاجتماعية في هذه الدول وبعيداً عن عنصر الحروب والصراعات المباشرة وتلك التي هي بالواسطة والتي أنهكت القدرات الممكنة للدول النامية وفرطت بهذه القدرات.

وهي التي كان يمكن أن تستثمر في التنمية ورغم المردود المادي المشار إليه سابقاً للهجرة والذي لا يعالج بأي حال أصل المشكلة بل يخفف من بعض نتائجها، فإن المطلوب مقاربة شاملة في أبعادها ومشتركة في أطرافها «الشمالي» و«الجنوبي» لتنظيم الهجرة من جهة بحيث لا تخلق توترات أو اختلالات هيكلية في مجتمعات الشمال والجنوب ولخلق فضاءات تعاون .

وتضامن بين هذه المجتمعات من جهة أخرى. في مطلع الألفية الثالثة تذكرنا الهجرة النشطة والمنتشرة بأهمية مواجهة تحدي ازدياد الشرخ وتداعياته الخطرة والمكلفة للجميع بين الشمال والجنوب وبين شمال وجنوب يستقران بقوة ضمن الكل من الشمال والجنوب.

كاتب لبناني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات