رهانات «الإسلاميين» العرب

رهانات «الإسلاميين» العرب

عاشت الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي حينا من الزمن تنتظر ان تنفتح أمامها النوافذ والأبواب في سبيل أن تنفرد بسدة الحكم، أو بجزء منها، أو على الأقل تمارس عملها في مأمن من الملاحقات والمطاردات والتهميش المتعمد. وظل أصحاب هذا اللون من التفكير والممارسة السياسية يعتقدون أنهم أحق بالقيادة من غيرهم ممن ينتمون إلى تيارات سياسية وفكرية ماج بها العالم العربي على مدار قرن كامل، تمكنت فيه من السيطرة على مقاليد الأمور. لكن هذه التيارات لم تلبث ان فترت همتها وضعفت شوكتها وران عليها الجمود، وأفلست في أن تقدم مشروعات نهضوية قادرة على ان تقود العرب إلى نجاح متصل، بعد ان وقع أغلبها في فخ الايديولوجيات المنفصلة عن الواقع، أو صار معلقا بإرادة حكام مستبدين، وجماعات ونخب فاسدة ومتسلطة.

وأمام تراجع الليبراليين بعد ان نالت الدول العربية استقلالها، وفشل القوميون في ان يحافظوا على المكتسبات المهمة التي حازوها قبيل رحيل الاستعمار وبعيد التحرر منه، بدأ نجم «الإسلاميين» العرب يلمع، وأخذ اصحابه يعدون العدة لولاية الأمر في أكثر من بلد عربي، آخرها مصر، بل ركبت الثقة المبالغ فيها كثيراً منهم فراحوا يتيهون على الناس، معتبرين ان دورة التاريخ قد انتهت اليهم، وان المستقبل لهم إلى الأبد، بعد أن جربت الجماهير العريضة غيرهم وخرجت خالية الوفاض، او حصدت قليلا لا يسد كل الحاجات، ولا يلبي كل المطالب.

ويعتمد «الإسلاميون» في تعزيز خطهم البياني المتصاعد عربيا على أربعة أمور:

الأول هو «شرعية المقاومة» بمعنى الإتكاء على ان عناصر إسلامية، تنتمي إلى جماعات وتنظيمات عدة، هي التي ترفع لواء المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي والاحتلال الأميركي، بل إنها تمكنت عبر «تنظيم القاعدة» من نقل المعركة إلى ارض «العدو» واجباره على الدفاع بعد ان استمرأ الهجوم على العرب والمسلمين، وذلك من خلال الأعمال الارهابية التي ينفذها التنظيم في اوروبا والولايات المتحدة.

والأمر الثاني يرتبط بحيازة جماعات إسلامية «معتدلة» ثقة جماهير غفيرة أولتها لمرشحي التيار الإسلامي في انتخابات تشريعية ومحلية جرت في أكثر من بلد عربي خلال السنوات الأخيرة.

أما الأمر الثالث فيرتبط بتقديم «الإسلاميين» أنفسهم باعتبارهم ضحايا، أو جماعات مضطهدة، يمارس ضدها تمييز سياسي واجتماعي بل وديني في بعض الأحيان، وأنهم بذلك يكونوا التيار الذي دفع ثمن الكفاح ضد نظم حكم تتراوح بين الطغمائية والشمولية، ومن ثم فهم أولى بوراثة هذه النظم من غيرهم.

والعنصر الرابع يتمثل في إلحاح الإسلاميين على حقهم في نيل فرصتهم، كما نالتها التيارات السياسية والفكرية الأخرى، وهذا الإلحاح واضح عيانا بيانا في كتاباتهم عن أنفسهم وعن الآخر، وفي شعاراتهم السياسية وأهمها «الإسلام هو الحل»، وفي عملية التلقين المستمرة التي تقوم بها قيادات الحركة الإسلامية ورموزها لأتباعها.

ورغم أن هذه العناصر الأربعة لا تخلو من مصداقية نسبية فإنها تتجاهل أموراً عدة، أو تقفز عليها بشكل متعمد.

أولها إن حركة المقاومة لا تعتمد على الإسلاميين فقط. ففي فلسطين لا يمكن أن نختزل الكفاح ضد الاحتلال في سلوك حماس والجهاد الإسلامي ونهيل التراب على تاريخ النضال تحت راية فتح وفصائل يسارية لا تزال تقاوم حتى هذه اللحظة. وفي العراق تشير الإحصاءات إلى أن المقاتلين المنضوين تحت لواء ما يسمى بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين لا يشكلون سوى نحو ثلاثة في المئة في حركة المقاومة المسلحة، ونسبة مقاربة لهذا تنتمي إلى تنظيمات «إسلامية» عراقية، والأغلبية تنتمي إلى حزب البعث، وهو قومي عربي. كما أن جزءاً من أداء القاعدة في العراق ليس موجهاً ضد الاحتلال إنما ضد العراقيين أنفسهم، ممن يخالفون هذا التنظيم في أفكاره وتوجهاته ومذهبه الديني.

والأمر الثاني هو وجود ضحايا آخرين، يساريين وليبراليين، للأنظمة الحاكمة في بعض بلدان العالم العربي، يدفعون أيضاً ثمناً لنضالهم من أجل حياة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية أفضل، وهذا معناه ان التيارات الأخرى لم تستسلم للوضع السائد تماماً، وتترك الراية في يد «الإسلاميين» فقط، بعد ان اشتد ساعدهم، وباتوا ظاهرين على الجميع.

أما الأمر الثالث فهو قصور نظرة بعض الإسلاميين إلى الديمقراطية، وإجراءاتها أو آلياتها، ومنها الانتخاب. فالامتثال للنهج الديمقراطي والرضاء به وسيلة للحكم يجعل من اعتقاد هؤلاء بأن التجريب السياسي انتهى إليهم وأنهم بمنزلة «نتيجة» لكل المقدمات التي توالت في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، هو اعتقاد خاطئ يفتئت على متطلبات الديمقراطية نفسها، ولا يجعل الناس مطمئنين كثيراً إلى ان التنظيمات والجماعات الإسلامية المسيسة قد آمنت بالتعددية السياسية وتداول السلطة، أو آمنت بإقامة «الشرعية» على اختيار الجماعة، خاصة في ظل عدم إيمان فصيل فاعل من الحركة الإسلامية بعملية الانتخابات، الأمر الذي بينته انتقادات الرجل الثاني في «القاعدة» أيمن الظواهري لمشاركة الإخوان المسلمين بمصر في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

إن ارتفاع صوت الإسلاميين على ما عداهم، وامتلاكهم قدرة على الحشد والتعبئة، واكتسابهم رصيداً جماهيرياً عريضاً، هي أمور لا يمكن نكرانها. كما أن رغبة «الإسلاميين» في العمل بين الناس، بالحصول على الشرعية السياسية والمشروعية القانونية، هي حق لهم كجماعات وطنية، وتيار سياسي فرض نفسه، وتميل الكفة لصالحه في المستقبل. لكن حتى تضيف هذه الحركة وذلك التيار إلى رصيد الأمة فلابد من تطوير فكرها السياسي، بترشيد جموحها على نيل السلطان بأي طريقة، وترسيخ إيمانها بحق التيارات السياسية الأخرى في التواجد والاستمرار والعمل، وبناء قدرة على التفاعل الخلاق مع العالم الخارجي، وقبل كل ذلك تقديم برامج واقعية ومدروسة للنهوض بالواقع العربي المتردي، وآليات تضمن أن حلول الإسلاميين محل الآخرين في تولي زمام الحكم ببعض البلدان العربية، ليس تبديلاً للوجوه، ولا وضع لافتة جديدة على «منشأة» قديمة، أتى عليها الظلم السياسي والاجتماعي، فأصبحت جدارا يريد أن ينقض.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات