ثورة الحليب

ثورة الحليب

أصبحت الحياة جحيماً لا يُطاق، بل يمكن القول إن عدم تطبيق القوانين، وربما عدم وجودها، بات يُشكّل هماً عاماً وخاصة لذوي الدخل المحدود! فالحياة تزداد صعوبة يوماً بعد يوم، والأسعار في ارتفاع دائم، وارتفع عدد أولئك الذين يريدون أن تقاس أرقام حساباتهم بالمليارات وتواضعاً بالملايين، على حساب أولئك الذين يعيشون بالكاد حياة كريمة، هنا يتساوى الجميع سواء من المواطنين أو الوافدين، من العرب أو غيرهم.

لم يعد أولئك التجار يهتمون بقرارات تصدر عن مجلس الوزراء، أو أحاديث ترد في برامج البث المباشر، أو مقالات صحافية تكتب هنا وهناك.

من الواضح أن الشركات الاحتكارية هي التي تسيطر على السوق، ترفع الأسعار سواء بنسبة 10% أو حتى 100% دون حساب أو رقيب، ولعل ما شجعها على ذلك أن قرار مجلس الوزراء الصادر في السنة الماضية، وتحديداً في شهر أكتوبر المتعلق بتحرير استيراد بعض السلع الغذائية، لم ير النور لأسباب عديدة، ولعل من أهمها عدم وجود آلية للتنفيذ، ولم تكلف الوزارة المعنية أو الجهات المحلية الأخرى وضع تلك الآلية، ومن هناك يبدو أن التشريعات الاتحادية أو المحلية لم تأخذ بعين الاعتبار مصالح المستهلكين، أو ربما أن ذلك لا يعنيها بشيء.

إن اتحاد الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، حينما يرفض قرارات هيئة منتجي الألبان والعصائر، إنما يحارب هذه الزيادات بمفردها، وإن الهيئة قد أدركت أنها أصبحت من القوة، بحيث تستطيع أن تتحدى الجميع، دون أن يرف لها جفن، وأنها تدرك أن فورة الغضب هذه، ما هي إلا زوبعة في فنجان، سرعان ما تهدأ، ويخضع الجميع إلى الجشع، ذلك الغول الذي لا يخشى أحداً.

إن السياسات السابقة، وخاصة في المجال الاقتصادي، هي التي شجعت على رفع الأسعار سواء في المواد الاستهلاكية أو تلك التي لها علاقة برسوم التعليم، والسكن، مروراً بالأدوية، وربما في المستقبل بكل شيء. وأصبحت القاعدة العامة هي رفع الأسعار بشكل مدروس ودقيق ومطرد، وفي المقابل لم تكن هنالك جهة رسمية أو شعبية تقف بالمرصاد لأولئك الذين يشعلون نار الأسعار.

والأنكى من هذا أو ذاك أن الغلاء لم يقتصر على السلع التي يتحكم بها القطاع الخاص، بل إن الزيادة طالت الرسوم التي تحصِّلها جهات حكومية مثل رسوم العمل وغيرها مما جعل بعض الذين رفعوا أسعار سلعهم يعزون ذلك إلى ارتفاع الرسوم المترتبة عليهم، وهم يعرفون أن الأسعار زادت بأضعاف أضعاف زيادة الرسوم.

إن هذه الوضعية باتت تؤكد قوة القطاعات الاقتصادية غير الحكومية لتتحدى قرارات الجهات الحكومية، ومنها عدم الالتزام بقرارات وزارة المالية والصناعة ووزارة الاقتصاد، وهما وزارتان اتحاديتان لم تقرّا الزيادة، ومن هنا فإن رفع الأسعار قد يشكِّل تحدياً سافراً لهيبة الدولة!

ماذا يحدث في هذه الأيام؟ هل باتت الشركات هي التي تتحكم في قوت السكان، وكأنها تساهم في خلق بلبلة اقتصادية تزيد من الفجوة بين سكان الإمارات، إن الجميع سواء المواطنين أو غيرهم يعانون وبشكل دائم من عدم استقرار الأسعار، وهل يعني هذا أن على ذوي الدخل المحدود أن يعيشوا على الماء والهواء والخبز، وأن أيام استخدام الحليب ومشتقاته باتت من أحلام القرن الماضي؟

وهل نحن بحاجة إلى شعار جديد يرفعه الأطفال مفاده «النضال من أجل جرعة من الحليب»، وفي الوقت نفسه هل هناك أمل أي أمل في أن تُعاد الحياة لجمعية حماية المستهلك، بحيث يزداد عدد أعضائها، وربما تدعو إلى إجراءات عامة مضادة يشارك فيها الجميع، وربما تتحرك المنظمات ذات العلاقة بحماية الإنسان من جشع ثلّة من التجار المحتكرين في مجال غذاء الإنسان!

وبعيداً عن هذا الموضوع، طرح أحد الإخوة الظرفاء نكتة متعلقة بتأجيل حفلة عشاء لأحد البنوك التي كان مقرراً إقامتها، معللاً أن السبب الرئيسي هو أزمة الحليب ومشتقاته، وأن الكباب بالروب، وحلاوة أم علي، لا يمكن توفيرهما في ظل رفع الأسعار!! هذه طرفة وهي قليل من كثير يُقال هذه الأيام.

أين أولئك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحتكر إلا خاطئ» أم إن ذلك أصبح خارج نطاق الثقافة السائدة.

هل نحن بحاجة إلى ترسيخ اتفاقية التجارة العالمية، وبالتالي قد نلجأ إلى فتح الباب أمام شركات أجنبية نستطيع من خلالها استيراد احتياجات أفراد المجتمع من مصانع في أوروبا والشرق الأوسط، وهل حمى المرحلة التاتشرية ـ نسبة إلى رئيسة وزراء بريطانيا في العقد الثامن من القرن الماضي ـ والتي حرمت أطفال بريطانيا من الحليب المجاني، وهي خطوة من خطوات الانتقال من دولة الخدمات إلى الدولة ذات التوجه نحو الخصخصة، ذاك المصطلح الذي زاد من وحشية الدولة، وأظهرت الرأسمالية على صورتها الوحشية.

إن هذه الأوضاع تؤكد أن طاحونة الاستهلاك والاستغلال قد وصلت إلى مرحلة تحدي السلطة السياسية، وإن على الجمعيات التعاونية، أن تعيد النظر في سياستها نحو توفير السلع بأسعار معقولة، ربما يبرز للسطح شعار مقاطعة منتجات الألبان، وهي تذكرنا بمرحلة ماضية في مقاطعة البضائع الأميركية، وخاصة في نهايات القرن الماضي، وهنا قد تستخدم الأسرة الماء مع الكورن فليكس بدلاً من الحليب.

والسؤال المطروح إن كانت تلك المنتجات تشكِّل هذا الهمّ للجميع، لماذا لا تكون هناك مشاريع وطنية عدة منافسة للشركات المحتكرة للألبان؟ وذلك على غرار المشاريع الوطنية لتشغيل الشباب، كأن تنشأ شركات عدة توفر الحليب ومشتقاته لأبناء المواطنين والمقيمين على أرض الدولة، مشروع الألبان ومشتقاته للجميع، شركات مساهمة لا يكون هدفها السريع دخول حمى سوق الأسهم، تقضي على أولئك المحتكرين للحليب.

إلى متى يدفع المطحونون المزيد من الدراهم التي يعجزون عن توفيرها إلا عبر القروض؟ وإلى متى نخلق آليات عدم الاستقرار، في مجتمع تعيش فيه العشرات من الجنسيات، ولمصلحة من يرتفع سعر القوت اليومي للإنسان في مجتمع أساسه الأمن والاستقرار، فهل نرفع شعار «ليذهب تجار البندقية إلى الجحيم، وليحيا الاستقرار والأمن»؟ الوطن الذي ينال فيه كل الذين يعملون حياة كريمة، يتوفر فيها الحد الأدنى من متطلبات الحياة، والذين لا يلتزمون بذلك إنما يعملون على ضرب السلم الأهلي الذي تفخر الإمارات بأنها حافظت عليه على الرغم من عشرات الجنسيات التي تعيش على أرض الإمارات بوئام، مطمئنة إلى أن هناك حكومة رشيدة تحرص على مصالحها. وأن الجشعين مهما علا شأنهم لن يكون لهم دور فاعل في مستقبل الإمارات.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

Almutawa_mohammed@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات