تحت المجهر

صغارنا هم كبارنا

يعيش الأطفال في عالم تشغلنا فيه عنهم تكاليف الحياة. ونمضي في الحياة ونحسب أنفسنا نربيهم وننقلهم من مرحلة لأخرى دون أن يتبادر إلى أذهاننا أن هؤلاء الأطفال أذكى مما نتصور.

وأكثر عمقاً وجرأة مما نتخيل. فعلى الرغم من اجتهادنا في تربيتهم وإكسابهم الخبرات التي تعينهم على مواصلة السير في هذه الحياة، إلا أنهم يعيشون عالمنا بخصوصية كبيرة وبطريقة مختلفة، لنكتشف في بعض المواقف أن صغارنا هُم الكبار حقاً.

ابنة السابعة، وحيدة أمها التي تمارس الكتابة اليومية، ألّحت على والدتها أن تكتب في إحدى القضايا التي رأتها ضرورية، وقالت لأحد أقاربها الذي يرافقها في الطريق إلى المنزل، أريد من أمي أن تكتب في هذه المشكلة ليدرك الجميع خطرها، هي مشكلة الحوادث في الطرقات وما يترتب عليها من ازدحام.

المفاجأة التي أصابت قريبها لم تختلف كثيرا عن مفاجأة الأم التي لم تكن تستوعب إدراك هذه الطفلة لهذا العمل اليومي، وكيف انه عمل يسعى لحل المشكلات.

وبعد حوار طويل شرحت فيه الطفلة قضيتها أدركت الأم أن ابنتها كبرت كثيرا، وأن هذه الابنة الوحيدة التي لم ترزق بغيرها، رغم حركتها ونشاطها الدائمين في المنزل، واعتنائها بدراستها وبعالمها الطفولي، لم تتجاهل عملا تقوم به والدتها بل إنها استوعبته وأدركت أهميته.

هذا الاستيعاب الطفولي العظيم أبكى الأم وجعلها تنسى كل متاعب الرحلة وهمومها، ورسم أغلى ابتسامة على وجهها بعد أن شعرت بأنّ فلذة كبدها التي تشاركها حياتها أكثر من أي شخص آخر تحملت جزءا من همومها ومشقة عملها، فازدادت حينها يقينا بأن الأبناء وحدهم هم القادرون على أن يدفعونا لمواصلة رحلة الحياة باقتدار وعزم لاسيما وهم يشعروننا بأن ما نفعله له قيمة ومعنى.

هذا الموقف ذكّرني بصبي في وفد الحجاز الذي جاء إلى الخليفة عمر بن عبدالعزيز، رضي الله عنه، عندما تولى الخلافة. نظر الخليفة إلى هذا الصبي الصغير عندما أراد أن يتكلم فقال: ليتكلم من هو أسنّ منك، فإنه أحق بالكلام منك. فقال الصبي: يا أمير المؤمنين، لو كان القول كما تقول لكان في مجلسك هذا من هو أحقّ به منك، قال:

صدقت فتكلّم. فقال: يا أمير المؤمنين، إنا قدمنا عليك من بلد نحمد الله الذي منّ علينا بك، ما قدمنا عليك رغبة منا، ولا رهبة منك، أما عدم الرغبة فقد أمنا بك في منازلنا، وأما عدم الرهبة، فقد أمنا جورك بعدلك. فنحن وفدُ الشكر والسلام. فقال له عمر: عظني يا غلام، فقال:

يا أمير المؤمنين إن أناسا غرّهم حلم الله، وثناء الناس عليهم، فلا تكن ممن يغرّه حلم الله وثناء الناس عليه فتزلّ قدمك، فنظر عمر في سنّ الغلام، فإذا له اثنتا عشرة سنة فأنشدهم عُمر رضي الله عنه:

تعلّم فليس المرء يُولد عالما وليس أخو علم كمن هو جاهلُ

فإنّ كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفّت عليه المحافلُ

maysaghadeer@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات